تجربة حياة بلا انترنت

sorry-no-internet-today-1

قد يكون لاحظ البعض منكم أني لم أكتب خبراً على عالم التقنية منذ 40 يوم تقريباً وهذا لأن خدمة الإنترنت قد انقطعت بالكامل عن مدينتي حلب ما أتاح لي فرصة إجبارية لأن أعيش بلا انترنت تماماً.

كشخص مدمن ويقضي وسطياً 15 ساعة يومياً على الإنترنت، وتنقطع الخدمة فجأة عليك، يعني كابوساً قد حل، أول شيء تكتشفه أنه أصبح لديك 15 ساعة فراغ يومياً إجبارية .. ماذا ستفعل بها؟ صدقني كل ما يخطر لك ستفعله وسيبقى هناك المزيد !.

أول الآثار التي ستشعر بها – لو كنت مدمناً – أن الصداع في رأسك سيبدأ يخف تدريجياً خلال الأيام القليلة الأولى إلى أن يزول تماماً، هذا الصداع نتيجة الجلوس والنظر الطويل إلى الشاشة وهذه ربما الإيجابية الوحيدة التي عرفتها من هذه التجربة.

لكن ما لفتني أن أصابعك تصبح ثقيلة الحركة خاصة لو كنت رشيقاً جداً بالطباعة على لوحة المفاتيح، وهذا الثقل نتيجة عدم النشاط لفترة طويلة، وقد تنسى مواضع بعض الأحرف لو كنت تطبع بدون النظر إلى اللوحة، وقد ترتكب بعض الأخطاء الإملائية، لهذا عليك إستغلال تلك الأيام والكتابة على مستند نصي أي كلام تريده ولو كانت يومياتك أو مثل هذه المقالة وذلك حتى تتفادى الثقل في الأصابع.

بعدها ستكتشف الملل الكبير الذي يجتاحك بخاصة لو كانت حياتك بشكل أو بآخر تتمحور حول الإنترنت، فأنت قد تعمل على الشبكة ومعظم أصدقائك تتواصل معهم من خلالها، وعندما تختفي يبدأ الملل ليقول لك عليك أن تكتشف الحياة بعيداً عن لوحة المفاتيح كما ذكر في الفيلم الوثائقي عن موقع التورنت Pirate Bay.

ونتيجة الساعات الطويلة من الفراغ تبدأ بالتفكير ما الذي تريد أن تفعله فيها لإستثمارها؟، ستتجه إلى أقراص التخزين داخل جهازك والتي نادراً ما تدخل إليها لأن الكمبيوتر بالنسبة إليك عبارة عن المتصفح فقط، وتبدأ بفتح الملفات لتعثر على شيء قد يسليك، مقالة قديمة حفظتها أو كتاب إلكتروني أو تقرير .. أي شيء .. شخصياً توجهت لمخزون الكتب الإلكترونية التي أجلت قرائتها والتهمت 12 كتاب خلال 40 يوم فقط.

ومن شدة الملل تبدأ تستهون أي أمر تواجهه مهما كان طويلاً، فلو وجدت كتاباً سمكه 650 صفحة، فإنك ستقرأه بكل سرور وهذا ما بدأت بفعله حتى.

بعد مضي أسبوع أو أكثر و أنت كل يوم على مدى عدة مرات تشغل جهاز الراوتر على أمل أن يعود الضوء الأخضر فيعيد لك الحياة من جديد، تبدأ تظهر الشائعات بين الناس و الشحنات التخديرية الصغيرة، كل يوم يخبرك شخص ما أنه سمع من جهة ما أن الإنترنت سيعود للعمل اليوم، وهناك من يفرط بالتفاؤل ويحدد لك ساعة معينة أيضاً. مع أنك أصبحت متأكداً من أنها شائعات، إلا أنك تتوجه وتشغل الراوتر على أمل أن تصح.

هناك من يتحايل على الحياة، فلو حرمته الإنترنت الحقيقي، فإنه يقوم بإنشاء إنترنته الخاص، فيس بوك، تويتر وحتى يوتيوب، تجده يكتب على الورق تحديثات الحالة التي تخطر في باله على أمل أن ينشرها على الشبكة عندما تعود، ويغرد ويتوقع الرد على تغريداته، وحتى يرسم مقطع فيديو خيالي، كما قلت لكم هناك ساعات طويلة من الفراغ والحياة مملة.

إن كنت مثلي لاتهوى التلفزيون عموماً في حياتك، فإن هذه الأيام ستجعلك تشاهد حتى الإعلانات و الأخبار والبرامج و الأفلام القديمة، وربما تسجل قائمة بأسماء الأفلام التي شاهدتها لأنها ستصبح كثيرة والكتب التي قرأتها وتضيفها لاحقاً إلى حسابك على IMDB و goodreads. فكما اتفقنا أنت لديك إنترنتك الخاص الورقي.

وبعد أن تقضي عشرات الأيام بهذا الروتين تبدأ بالتمرد عليه والخروج إلى الشارع، ومع جو صيفي معتدل يصبح للمشي والجلوس في حديقة ما متعة جديدة، وتجرب أشياء لم تخطر لك أن تجربها، كأن تذهب من طريق جديد، أو تتناول شيء لم يخطر لك، وتصبح لألعاب هاتفك المحمول قيمة كبرى اليوم فأنت في وسط الفراغ الممل وليس أمامك سوى الصبي في subway surf أو حفنة الطيور الغاضبة في AngryBird، لكن مع اللعب لساعات طويلة يومياً ستنتهي المراحل بسرعة، حتى أنك أحياناً تعيد لعب المراحل للحصول على نقاط أو نجوم أكثر.

بإختصار، إن من كانت حياته متعلقة بالإنترنت ويقضي ساعات طويلة يومياً، فإنه سيشعر بالملل الشديد والفراغ نتيجة هذه التجربة التي عشتها شخصياً للمرة الثانية في حياتي، بحكم عمل أو دراسة الشخص يضطر للجلوس الطويل، لكن الأسف على من يقضي عشرات الساعة فقط على اللعب، الإنترنت أكبر من الحياة حتى .. كما أن هناك غابات أمازون و ناطحات سحاب و جبال مقفرة في العالم .. هناك ما يشابهها بين ثنايا المواقع و تطبيقات الويب والصفحات .. لنكتشفها فهي لا تحتاج إلى فيزا.