شبكة الإنترنت وعفريت المحتوي العربي، ما بين الواقع والخيال المُمَنطق

شبكة الأنترنت والعالم

السابع من أبريل لعام 1969 ميلادياً، بالنسبة لمعشر مهندسي ومتخصصي شبكات الحاسب الذكري الميلادية الرمزية لشبكة الإنترنت وفكرة توافرها لنا كمستخدمين، والسبب في ذلك يعود إلي نظام المذكرات RFC التي نشرتها وتعاملت معها المنظمة المختصة بتنظيم مهام هندسة الإنترنت – IETF، حيث كان نظام المذكرات يحتوي علي البحوث والمقترحات و المنهجيات القابلة للتطبيق لشبكة الإنترنت والتي كانت تُعرف فيما قبل بشبكة أربانت – ARPANET (وهو مشروع خاص تم إطلاقه من وزارة الدفاع الأمريكية لتأسيس شبكة تمكنهم من استغلال الحواسيب لربط الجامعات و مؤسسات الأبحاث)، لذا بكلمات مختصرة منزوعة التعقيد.. كان نظام المذكرات الخاص بمنظمة IETF هو الباكورة الهندسية والعلمية لظهور وتطبيق معايير شبكة الإنترنت الذي نعيشه الأن.

هذا الحدث أثار لوعتي وتفكيري عما أراه يومياً في عالمنا العربي من الحديث السلبي عن الإنترنت و المحتوي العربي والاستغلال السيء للأنترنت من جانب العرب وإلخ إلخ إلخ من الموضوعات المرتبطة، وكأن العرب هم الوحيدون الذين أخطئوا واستغلوا الإنترنت بجانبه السيء، بل وأهملنا الجانب الإيجابي أيضاً؟!.. لذا اسمحوا لي يا سادة بأن أدلو بدلوي في هذا الشأن.

مما لا شك فيه خلال السنوات المنصرمة ومع ازدياد مرتادي شبكة الإنترنت، وبعد البدء بهبوب نسيم التطورات التي تتحنن بها شركات مقدمي خدمات الإنترنت علي مستخدميها من حين إلى آخر في وطننا العربي، بدأ المحتوي العربي بالازدياد والتوسع، ولكنه بكل أسف لم يكن ازدياداً وتوسعاً حذراً.

ومثل حال أي تقنية جديدة تظهر على الساحة لها حدين تتوقف على طبيعة وخطوات استغلالها، يبدأ المستخدمون من كافة الأعمار والجنسيات والثقافات بالبدء في التقرب منها والاستعلام الرسمي وغير الرسمي والاستماع إلى وجهات نظر الآخرين عنها ثم يحاول المستخدم تجربتها والتعامل معها والتعلم منها، لكي يصل في النهاية للمرحلة الأخيرة وهي الاستخدام الأمثل لها… في حالتنا هذه والتي نتحدث فيها عن شبكة الإنترنت ومحتواه العربي لم نمر بكل هذه المراحل ربما لطبيعتنا الجينية “الشغوفة المتسرعة” التي ورثناها كعرب وربما للظهور السريع لـ”اّفات الإنترنت” المتمثلين في تجار الفساد اللاعبين بالعقول و الجيوب أيضاً و ربما لغيرها من الأسباب الجانبية، ففي النهاية دعونا لا نخدع أنفسنا بكلمات جرداء نكررها دون وعي، فنحن لا نريد أن نصنع للاّفات شأناً أعلي من شأنِهم المُستًحِقِ، فهم سيظلون مجرد اّفات لا تنشأ ولا تتكاثر من عدم، فلا داعي بأن نلقي باللوم الكامل عليهم.

ثورة الإنترنت

و لكن مؤخراً بدأت الثورة الحقيقية للأنترنت العربي بالظهور وبدأ العالم العربي في يقظته التقنية بالتلفُتِ والاهتمامِ الأكثر عمقاً لمعالمِ هذه الشبكة العنكبوتية محاولاً لفك شفرات أجنابها والإبحار في عالمها، آمِلاً في الوصول والتعرف على هذه الأرض الافتراضية التي عصفت بأحلام و مطالب افتراضية مُجَرَدَةُ لشباب وطن كانوا يُتًهَمُون من قِبَل أهاليهم و رؤسائهم  وحتي أصدقائهم بالطيش والتفاهة والسفاهة، واستطاعوا بين ليلة وضحاها تحويل مطالبهم الافتراضية إلى لوحة فنية رسموها مُشًكَلَةُ بأيديهم ودمائهم على أرض هذا الواقع المرير وفي شكل أبهر العالم أجمَعِ، سواء من جمال حضارته وتأكيد لشعبية إرادته أو حسن التعاون في إدارته.

شبكة الإنترنت التي رفعت على أكتاف مُستخدِميِها مطالب إنسانية مُستًحقةُ كالحرية والعدالة والكرامة، شبكة الإنترنت التي ساهمت ومازالت تساهم حتي الآن في القضاء على فساد أنظمة ونفوس بل و التبشير ببدايات مستنيرة ومزدهرة للعالم العربي أجمع، شبكة الإنترنت التي أعطت صوتاً لمن ليس له صوت لكي يتحدث ويشارك و أخرجت لكل أبكم وأصم وسائلَ جديدة وحلاً فعالاً لكي يُعبِر بها ويتفاعل معها بل ويستمع له الملايين ويتحركون معه في انسجام و وحدة بعد أن كان من المستحيلات، شبكة الإنترنت التي تساهم الآن بشكل لا يستطيع تخيله إنسان على وجه الكره الأرضية في تشكيل مستقبل شعوب بأكملها… فهي نفس الشبكة التي واجهت ومازالت تواجه حتى الآن منا كل اعتراض وهجوم وتهميش واحتقار.

لذا قررت من اليوم يا سادة وعلى غير العادة، أنا العبد الفقير لله بأن أكون ممن ينظرون إلى الجزء المملوء من الكوب الذي كان يُعتًقًد أنه شِبِهُ فارغ. وأن أكون ممن يقيدون شمعة في الظلام لإنارته بدلا من التحسر عليه والوقوف في جوانبه المظلمة والمساعدة في ازدياد كحله.

فإليكم بعض الأسئلة البديهية التي نكررها بتشدق حتي ملَ بها مستمعيها ويأس منها متحدثيها.. هل شبكة الإنترنت ومحتوانا العربي يواجه مشكلة فقر و نقص؟!… نعم بالفعل، هل شبكة الإنترنت ومحتوانا العربي يواجه مشكلة استغلال وسوء فهم وعدم إدارة ومعرفة كافيتين؟!… نعم بالفعل، وإلي هنا تنتهي الأسئلة وتبدأ مباراة سريعة للتراشق بالاتهامات والإيعاظ ما بين كل فريق وآخر من شركات الاستثمار ذات رأس المال الجريء و مديري المواقع والمطورين والمبرمجين والمصممين بل وتصل حتي إلى المستخدمين!!. ونتناسى أن الحل لن يظهر ويكتمل بشكل نهائي إلى حين أن نعمل معاً.

ولكي نكون صرحاء مع أنفسنا من البداية فلا تتوقع أن الأمور ستكون وردية، ولكني أناشدكم في ذات الوقت أن تلقوا نظرة علي عدد السنوات التي أستغرقها الأمر منا كعرب حتي نصل للتحقيق العملي علي إحدى أهم نقاط الاستخدام الصحيح لشبكه الإنترنت وتحويله من مجرد عالم خيال افتراضي مُهمَش إلي عالم واقعي مؤثر، وأنا لا أتكلم علي التأثير السياسي فقط بل علي التأثير الثقافي والعلمي والاجتماعي وحتي الإقتصادي. فأنا لا أحثكم بأن ننتظر عدة سنوات مماثلة كي يحدث الأفضل أو أن نستر مُقلتي أعيننا بكفوفنا متخشبين ومنتظرين حدوث المعجزة ومفاجأة العهد الجديد لشبكة الإنترنت.. لأن ببساطة الأمور أصبحت الأن ليس لنا قدره علي التنبؤ بها فنحن نعيش علي حواف عصر يستقبل التطورات بسرعة فائقة وله قابلية نهمه في التعامل معها، فالحل الوحيد لنا هو أن نشارك في إعداد وتوجيه هذا العصر. تخيل ماذا سيحدث إذا أستمرينا في عملنا بهذه المسيرة الصحيحة للوصول إلي شبكة الإنترنت ومحتواه الصحيح ذات النكهة العربية خاصتنا، النكهة التي لم يتفنن في صنعها سوي شعوبنا ولم يحققها لمجرد أنها أقدارنا بل لأننا أضفنا مكونناً السري إلي مقاديرها.

نعم، أحلم وتخيل وأعمل عليها.. الكلمات التي حاربها ومازال يحاربها محبي التشاؤم ومن يطلقون علي أنفسهم “مُحبي الواقع” ومن أُفَضِل أن أطلق عليهم شخصياً “مُقيدي الواقع”.. فهل مازالت تجادلني أيها الواقعي بأن ما حدث في عالمنا العربي هو نتائج طبيعية لتطور شبكة الإنترنت في منطقتنا العربية؟! .. أي تطور هذا الذي تتحدث عنه، تطور شركات خدمات الإنترنت التي مازال يتعامل معظمها حتي هذه اللحظة مع مستخدميها علي أنهم أطفال رضع لا يعرفون معني جملة “حقوق و واجبات” أو ربما تطور عقول الويب ماسترز)أصحاب ومديري المواقع الإلكترونية) الذي مازال بعضهم يظن حتي الأن بأن الإنترنت هو حجز دومين (اسم/عنوان الموقع) و استضافة (المساحة التي يعمل عليها الموقع) وربما بعدها المتاجرة وخرق بعض الحقوق الملكية والفكرية (الأفلام والمسلسلات والكتب والأغاني وما شابه ذلك) لكي يبدأ بطريق النجاح وتحقيق حلم الملايين من الإنترنت.

نعم أيها السادة الكرام فبالرغم من كل هذا، حققنا إنجازاتنا.. فمن حقق إنجازات العرب اليوم بشبكة الإنترنت هو كل إنسان أمن وعمل بالخيال المُمَنطق في عصر الإنترنت والتكنولوجيا، الخيال الذي لم نتوقف يوماً عن التفكير به، الخيال الذي كنا نستيقظ وننعس في تشكيله ونسرح في وضع أفكاره، الخيال الذي كنا نسخر من أنفسنا لمجرد التفكير بإمكانية تحقيقه، الخيال الذي أزال أنظمة فاسدة بائدة ومازال، الخيال الذي أعطي القوة و إمكانية الفعل في أفكار وخطوات بسيطة وسمح للقط بأن يوَحِد نفسه مع أبناء عشيرته ليهاجم ويتفوق علي الأسد المسعور ذو الأنياب الزرقاء والمخالب المسمومة.

قد يتقدم شخصاً غاضباً من بين قُراءِ هذا المقال المتواضع، ليُعَنِفًني قائلاً.. حسناً أيها المتفلسف المُمَنطق بالخيال، لقد حيرتني في بضعة أسطر بأفكار لم أصل بها لإستنتاج وحل نهائي للمشكلة التي أراها أساسية وتحدثت عنها في عنوان مقالك، فأخبرني بشكل صريح وواضح ما هو الحل النهائي لمشكله المحتوي العربي والإنترنت العربي الذي نحلم به؟؟

عزيزي القارئ، في الواقع لقد ذكرتها لك وكررتها بين ثنايا مقالي كإجابة واقعية ونهائية علي سؤالك الذي عذبك أنت وأنا وأخرون غيرنا منهم من سبقنا ومنهم من سيلحقنا بهذا الهم الذي لن يصلوا به إلي جواب شافي سوي بكلمة واحدة في النهاية، الجواب هو ببساطة “أنت”.. أنت كمدير لموقع، أنت ككاتب مثقف أو مُدَوِن، أنت كمالك لشركة، أنت كمستخدم للحاسوب، أنت كمعلم في مدرسة أو دكتور في جامعة، أنت كطالب متعلم يستطيع القرأة والكتابة، أنت كشخص أياَ كانت تفضيلاتك أو جنسك أو جنسيتك أو تعليمك أو خبرتك أو مركزك العلمي والعملي.. أياً كنت وأينما كنت فتذكر أنك تستطيع بكلماتك ومعرفتك وأسلوب حوارك عن الإنترنت أن تغير وجهة نظر إنسان أخر عنه وأن تجعله يبدئ بالطريق الصحيح ويأخذ المعلومة الصحيحة منك أو علي أقل تقدير تمنعه من أن يدخل إلي الطريق الخاطئ ويستمر بأخطائه بحجة أن هذا ما تعلمه علي يد من سبقه من مخطئين، قم بالبدء في التغير بيدك ولا تنظر للأخرين ولا تتشبه بهم.. لأنهم لن يكونوا مثلك وأنت لن تتحول وتصبح مثلهم، في النهاية إذا نظرت لها بوجهة نظر منطقية ستجد أنك تفوقت عليهم علماً ومعرفة مع مرور الوقت.. فأنت من سلكت الدرب الصحيح قبلهم و أنت من ستجني ثماره المباركة بعد حين. ولا تتناسي مطلقاً أن شبكة الإنترنت لم تكن ستصبح شبكة بمفهومها الحالي إلا بدونك وبمشاركة أمثالك وأمثالي وأمثالهم.

ثورة الفيس بوك

و أخيراً لكي أوضح كلماتي عن مصطلح “الخيال المُمَنطق”، فسأذكر لكم إيجازاً قصة بسيطة يعرفهما معظمنا جيداً وربما سمعناها بضع ملايين المرات ولكن حتي هذه اللحظة بعضنا لم يخرج منها بالعبرة الحقيقة، هل تتذكرون هذا الشاب “مارك زوكربيرج” مؤسس الشبكة الإجتماعية الشهيرة “فيس بوك“… بالتأكيد تعرفوه وسمعتم عنه أو حتي عن هذه الشبكة المسماه “فيس بوك” خاصة في الفترات الماضية، وإن كنتم قد تابعتم قصة إنشاء الفيس بوك فبالتأكيد عرفتم كم كان من وحوش وقتها يواجه هذا الضعيف المدعو “فيس بوك” وكم من الصعاب واجهته ومازالت تواجهه وكيف تحداها ببعض من أفكاره المجنونة وتغلب عليها وإلخ إلخ إلخ. فهذا كله ليس بعِبرة، العِبرة هو ماذا كان “فيس بوك” وقتها و ماذا أصبح الأن، وبغض النظر عن اختلاف وجهات نظرنا في هذا الشاب “مارك” وتشكيك بعضنا لأهمية وأغراض ونتائج عمله، إلا أن لا يستطيع أحد منا إنكار أن هذا الشاب أستطاع بتنفيذه البسيط وتفكيره المجنون لهذه الشبكة الاجتماعية بأن يحجز لنفسة مكاناً بين هوامير الإنترنت في عهدنا الحالي، فالسؤال الذي يجب أن نعيد صياغته لأنفسنا.. هل تتوقع أنه أثناء وقت العمل والإطلاق لمشروع الشاب “مارك” من مهجعه كان من الواقعي بالنسبة للعقل البشري ومستخدمي الموقع وحتي بالنسبة له شخصياً كمؤسس للموقع، أن يتحول من هذا الضعيف المبتدئ المسمى “فيس بوك” ليكون هو العملاق “فيس بوك” رمز التشبيك الإجتماعي الأن؟!… بعضنا قد يختلف أو قد يختلط عليه الأمر ويطلق عليه طموحاً وأخرين سيطلقون عليه حلماً، و أما أنا فأطلق عليه الخيال المُمَنطق.

فالمنطق هو الذي ينسج حبال الخيال التي تحطم القيود لتخرج عن كونها مجرد أفكار وتطلعات يوسمها البعض بالواقعية المُقَيَدة ، والخيالات بدون المنطق لتصبح أحلاماً أسطورية مزعجة تطاردنا في واقع حيواتنا وليس فقط في مَخَادِعنا، فدعونا نكون جزءاً فعالاً في شيء أكبر منا يحدث حولنا، ونحاول تدريب أنفسنا أن نصبح من ذوي الخيال المُمَنطق.