لا قلق على المشاريع الناشئة السعودية بعد استثمار ٣.٥ مليار دولار في أوبر

بداية وقبل الخوض في التفاصيل ارغب عزيزي القارئ في التنويه إلى أن هذا المقال مبني على رأي العبد لله – الكاتب – بصفتي مُتابع للأخبار التقنية العالمية والمحلية. وهذا الرأي ليس له علاقة لا من قريب ولا من بعيد بشركة أوبر Uber أو كريم Careem ولا حتى بصندوق الاستثمارات العامّة في المملكة العربية السعودية.

استيقظت قبل أيام لاتفاجئ بكم هائل من التغريدات في تويتر حول الاستثمار السعودي في شركة أوبر للنقل التشاركي والذي بلغ ٣.٥ مليار دولار أمريكي ليُصبح بذلك من أكبر استثمارات الصندوق أولًا٬ وأكبر استثمار تحصل عليه شركة أوبر ثانيًا.

شركة أوبر والتي انطلقت كشركة ناشئة بتطبيق على الهواتف الذكية في عام ٢٠٠٩ بدأت بمبلغ ٢٠٠ ألف دولار أمريكي فقط، لتُصبح قيمتها بعد جولة الاستثمارات الأخيرة تُقارب الـ ٦٨ مليار دولار أمريكي، وهو رقم كبير جدًا نجحت بالوصول إليه خلال سبعة أعوام تقريبًا.

انقسم الجميع بين مؤيد ومعارض لهذه الخطوة، فالبعض وجد أن الرقم مُبالغ فيه جدًا بسبب تجاهل المشاريع الناشئة العربية مثل شركة كريم والاتجاه نحو شركة عالمية مثل أوبر، بل وجزم البعض أن هذا الاستثمار لا فائدة منه أبدًا سوى وضع اسم المملكة العربية السعودية أو صندوق الاستثمار بشكل خاص في المحافل الدولية.

Person using the Uber app

لو عُدنا بالزمن شهر واحد فقط وتصفّحنا الأخبار التقنية لوجدنا أن استثمار شركة آبل في شركة Didi الصينية للنقل التشاركي والذي بلغ مليار دولار استحوذ على العناوين الرئيسية في جميع المواقع دون استثناء، ونفس الآراء التي ظهرت بعد استثمار آبل الملياري في الصين، ظهرت أيضًا بعد الاستثمار السعودي في أوبر.

استثمار آبل في مُنتج صيني كان له الكثير من الأسباب حسبما صرّح الرئيس التنفيذي للشركة – تيم كوك – حيث قال إن الشركة تطمح للكثير من هذا الاستثمار، وتحدّثت في مقال مُفصّل حول النتائج المرجوّة والمتوقعة من هذه الخطوة، خصوصًا أن أوبر شركة أمريكية، وتيم كوك وفريقه تركوها واتجهوا نحو مُنتج خارجي في سوق مُنافسة تتخبّط فيها أوبر وتحاول أن تضع قدمًا فيها مُنذ فترة طويلة.

الرئيس التنفيدي لشركة أوبر خرج بعد استثمار آبل في ديدي وصرّح بشكل ساخر على تويتر، حيث ختم تغريدته بوسم ” #ThanksALotTim ” كدلالة عن عدم رضاه عن توجه شركة أمريكية إلى الصين عوضًا عن دعمها لمشاريع من نفس البلد.

وما أوبر وصندوق الاستثمارات السعودي إلا حكاية مُكررة لآبل وديدي الصينية، فالصندوق من وجهة نظري الخاصّة يُريد ضرب أكثر من عصفور في حجر واحد بُعيد هذا الاستثمار.

دعونا نترك العواطف قليلًا، فالكثيرين ذكروا أن هذه الخطوة مُحبطة للمشاريع الناشئة السعودية لأنها أولى بالحصول على هذه الاستثمارات من أوبر، خصوصًا أن الاستثمارات التي حصل عليها أوبر بدون المبلغ المدفوع من قبل الصندوق السعودي تصل إلى ١١ مليار دولار أمريكي تقريبًا، وبالتالي هو ليس بحاجة ماسّة للمال مثلما هو حال بعض المشاريع المحلية.

لكن وبعد النظر من أكثر من زاوية، يُمكننا أن نقول أنه لا قلق على المشاريع السعودية الناشئة بعد هذا الاستثمار الخارجي الضخم.

وُجد صندوق الاستثمارات السعودي بشكل أساسي بأهداف بعيدة المدى، فالمملكة لديها خطّة تطمح من خلالها إلى تنويع الاقتصاد وعدم الاعتماد على مصادر محدودة، ولا يوجد أفضل من المشاريع الناشئة والتقنية من أجل تنويع مصادر الدخل ولدينا في الولايات المُتحدة الأمريكية خير دليل على ذلك.

هُناك مبدأ في جميع الحقول العلمية يقول بشكل صريح وواضح ” إبدأ من حيث وصل الآخرون ولا تُعيد اختراع العجلة من جديد “، وهو ما يُمكن استخدامه لتفسير خطوة صندوق الاستثمارات السعودي. فعندما يكون لدينا نموذج ناجح في أي بلد حول العالم من الأفضل لنا أن نتعلّم منه ونطّلع على خباياه وأسراره لتحليلها وفهمها عن قُرب قبل نقلها إلى بيئتنا الخاصّة للاستفادة منها بأفضل شكل مُمكن.

٣.٥ مليار دولار مبلغ كبير جدًا، لكنه منح الصندوق مقعدًا في مجلس إدارة أوبر، وبالتالي أصبح الصندوق والكوادر الموجودة فيه على تماس مُباشر مع العمليات والهيكلة الإدارية الموجودة في أوبر والتي سمحت لهذا التطبيق الناشئ في الوصول إلى قيمة سوقية كبيرة جدًا.

هذا يعني أننا وبعد فترة من الزمن قد نشهد قفزات سريعة في المشاريع الناشئة المحليّة، لأن استثمارات الصندوق التي قد تُضخ في هذه المشاريع سوف تكون في المكان الصحيح مصحوبةً بخبرات مُستشارين من داخل صندوق الاستثمار تسمح لهم في الحصول على الاستفادة القصوى منها وتقليل احتمالية الخسارة أو عدم النجاح.

آبل أرادت دراسة السوق الصينية بشكل أوسع وفهمها عن قُرب، فوجدت نموذجًا اقتصاديًا رابحًا اتجهت نحوه دون تردد، آخذة بعين الاعتبار الفوائد التي ستعود عليها من الناحية التعليمية أولًا، والمادية ثانيًا. وهذا الأمر نفسه ينطبق على صندوق الاستثمار، فالصندوق بإمكانه ضخ المبلغ نفسه على عدد من المشاريع المحلية، لكن ما هي ضمانة عودة هذه الاستثمارات بفوائد على الأصعدة المُختلفة؟

هل الاتجاه نحو ضخ مبالغ كبيرة في استثمارات غير مضمونة من الناحية المادية لمُجرد أنها محليّة يعني أنها استثمارات ذكية؟ من وجهة نظري لا، ولا يُوجد مُستثمر في العالم يتجه نحو مشاريع ونماذج غامضة، فالمُعادلة بين المُستثمر والشركات يجب أن تكون مُتكافئة بشكل من الأشكال.

الخسارة احتمال وارد دائمًا في عالم ريادة الأعمال والاستثمارات، فلا يوجد شيء مضمون أبدًا، لكن الذكاء جزء من اللعبة أيضًا، والخسارة التي تأتي بعد دراسة وجهد أفضل بكثير من الخسارة التي تأتي بسبب قرارات جاءت من العاطفة فقط دون تشغيل العقل.

تعليقات عبر الفيسبوك