تحول نقاط القوة إلى نقاط ضعف، ظاهرة أصابت جوجل ومايكروسوفت والآن آبل [2]

تحدثنا في الجزء الأول من هذا المقال عن مُمارسات قامت بها مايكروسوفت وجوجل أدت ببعض مُنتجاتهم إلى الفشل، حيث عمدت تلك الشركات إلى استخدام بعض نقاط القوّة الخاصّة بها في المكان الخاطئ، وهو ما انعكس سلبًا على المُنتج نفسه.

شركة آبل في الفترة الحالية تعيش أوقاتًا عصيبة لا تُحسد عليها، فمبيعات أجهزة آيفون انخفضت للمرّة الأولى، دون نسيان مشاكل نظام آي أو إس iOS،  وصدامها مع وكالة التحقيقات الفيدرالية FBİ، حيث انتصرت الأخيرة على نظام الحماية في آبل وتمكّنت من فك تشفير هاتف آيفون 5 سي.

من جهة ثانية، تُغرّد آبل خارج سرب الصيحات التقنية الحديثة وخصوصًا مجال الذكاء الصنعي ( الاصطناعي )، فنظام آي أو إس يُقدّم بعض الأمثلة البسيطة، لكن الدسم في هذا المجال لم يأتي من قبل الشركة، خصوصًا أن أهم مُنافسيها قدّم نموذجه الخاص مؤخرًا، وهو ما يزيد الضغوطات على آبل ومُهندسيها.

يُمكن اعتبار سيري النموذج الأمثل للذكاء الصنعي الخاص بشركة آبل، والذي سبق وأن تحدثنا عنه في مقال مُفصّل وتحدثنا عن احتمالية عدم استطاعته مُنافسة جوجل في هذا المجال بسبب بعض القيود الخاصّة بالشركة، لكن هذه المرحلة لم تعد تكفي آبل، فجميع الشركات مثل جوجل، فيسبوك، أو حتى أمازون تستثمر مواردها بشكل كبير في هذا المجال.

iPhone-6s-Plus-iFixit-teardown-image-002

ولكي تصل أي شركة إلى درجة مُتقدمة في مجال الذكاء الصنعي فهي بحاجة إلى عاملين أساسيين، الأول هو بيانات كبيرة جدًا، والثاني هو تعلّم الآلة ذاتيًا.

جوجل تجمع بيانات مُستخدميها من خلال تعقّب وتخزين عمليات البحث، قراءة الرسائل الواردة والصادرة في بريد جي ميل، بالإضافة إلى تخزين الموقع الجغرافي، وغيرها الكثير من المُمارسات التي صرّحت الشركة عنها دون خوف أو تردد.

ويُمكن مشاهدة نتائج هذه المُمارسات في إعلانات جوجل، فبمجرد زيارة صفحة تستخدم منصّة جوجل الإعلانية، سوف يلاحظ المُستخدم وجود إعلانات مُتعلقة بشيء قام بالبحث عنه أو مواقع قام بزيارتها قبل فترة قصيرة. وإن لم تكن الإعلانات مُقنعة، فتطبيق İnbox من جوجل خير دليل. فالتطبيق يقترح رسائل على المُستخدم لكتابتها بشكل آلي كرد على الرسائل الواردة، ومن أجل هذه الوظيفة، تقوم جوجل بقراءة جميع الرسائل الواردة في صناديق مُستخدميها، وتقرأ أيضًا الردود التي تمت كتابتها، وبعد هذه المرحلة، تبدأ وظيفة الخوارزميات المسؤولة عن تعليم الآلة ذاتيًا.

فيسبوك هي الأُخرى تقوم بنفس المُمارسات لعرض إعلانات ضمن تفضيلات المُستخدم لزيادة الفائدة منها، وتُعتبر أحد مصادر دخلها الأساسية أيضًا. وهذا هو حال أمازون التي تقوم بجمع البيانات وقراءة كل شيء يقوم المُستخدم به للتعلّم منه بشكل ذاتي.

مُشكلة شركة آبل في هذا المجال ليست العاملين معًا، فخوارزميات الذكاء الصنعي وتعليم الآلة ذاتيًا يُمكن تطويرها أو شراء شركة رائدة في هذا المجال. لكن المُشكلة الأكبر تكمن في إمكانية جمع بيانات المُستخدمين لتقديمها لهذه الخوارزميات.

نقطة القوّة في آبل والتي يتم الحديث عنها في كل مؤتمر تكمن في درجة الحماية العالية والخصوصية التي تتمتع بها جميع خدمات وأجهزة آبل دون استثناء، فجميع العمليات يتم تخزينها وتشفيرها على جهاز المُستخدم نفسه، ولا تُرسل أو تُستقبل أية معلومة بين الجهاز وخوادم آبل دون وجود تشفير عالي يمنع أي طرف خارجي من تعقّبها.

ويصر تيم كوك على هذه النقطة وأهمّيتها بشكل دائم، كما تمتلك الشركة أعضاء في مجلس الإدارة يقومون بالتأكد أن المُنتجات الجديدة لا تخرق هذا المبدأ أبدًا، ويراجعون الأكواد البرمجية بأنفسهم للتأكد بشكل كامل. وبالتالي وجود ميّزة قائمة على جمع بيانات المُستخدمين ضرب من الخيال حتى هذه اللحظة.

لكن في المُقابل، عدم جمع بيانات المُستخدمين لتوظيفها في تطوير خوارزميات الذكاء الصنعي يعني أن آبل لن تتقدم في هذا المجال، وهذا بدوره يجعل مكانها خلف الجميع وليس في الصفوف الأمامية كما كان الحال عليه في السابق، فعلى الرغم من نجاح النموذج الحالي في توفير عائدات مالية تُساعد الشركة على البقاء على قيد الحياة، إلا أن هذا النموذج قد يكون خاطئًا، ولتكن نوكيا عبرة، وبلاك بيري موعظة، فالشركة الكندية ظنّت أن كل الأمور تسير على ما يُرام حتى ظهر جهاز آيفون الذي أخرجها من المُنافسة ودق ناقوس الخطر في أروقتها.

الحفاظ على الخصوصية أمر رائع جدًا، لكن هذا المبدأ وعلى الرغم من كونه نقطة قوّة في مُنتجات ثانية، لا يُمكن أن يكون قوّة أيضًا في مجال الذكاء الصنعي بسبب العاملين الأساسيين المذكورين أعلاه، وبالتالي يجب على شركة آبل أن تجد حلولًا للابتكار في هذا المجال بعيدًا عن خرق أحد أهم مبادئها، أو خرق هذا المبدء لكي لا تجد نفسها خارج المُنافسة تمامًا، لأنها وفي ذلك الوقت لن تنفع معها أية استثمارات أو استحواذات، مثلما هو حال بلاك بيري عام 2007 عندما ظنّت أن استحواذاتها أو استثماراتها ستعيدها من جديد للواجهة !

قد تنجح آبل لفترة من الزمن في إقناع المُستخدمين بأهمية أجهزتها والميّزات الموجودة بداخلها، لكن الذكاء الصنعي بدأ بالتسرّب داخل الأجهزة الذكية بشكلها الحالي، أو بأجهزة ذكية من طينة Google Home وAlexa من أمازون، وبالتالي حتى لو قدّمت آبل ذلك الهاتف الحلم المبني باستخدام طبقة واحدة من الزجاج الذي يأتي بسماكة لا تتجاوز سماكة وصلة الشحن، إلا أنها لن تنجح في بيعه إن لم يمتلك أحدث الصيحات التقنية القادمة والتي تتمثّل في الذكاء الصنعي أولًا، والواقع الافتراضي ثانيًا.

تعليقات عبر الفيسبوك