تقنيات غيرت حياتنا (2): الذواكر الفلاشية

oa_Flash_Memory

هل يمكنك حمل ربع مليون كتاب فوق ظهرك ؟ الأمر مستحيل ، أليس كذلك ، لكن بالتأكيد ستوافقني الرأي إذا أخبرتك أنك قادر على حمل الربع مليون كتاب في جيبك ! طبعاً يمكنك أن تتخيل الأمر وتستوعبه ببساطة لأنك تعيش في هذا العصر الذي أصبحت فيه وسائط التخزين الرقمية من أساسيات الحياة التقنية، هذه الكتب التي يصعب على العصبة أولي القوة حمل 100 كتاب منها ، يمكنك حمل 100 ألف منها في أسفل جيبك بواسطة قطعة بلستيكية صغيرة لا يتعدى حجمها العملة المعدنية الصغيرة ؟ إنه فعلاً لأمر عجيب وإنها لثورة تقنية كبيرة.

إنها ثورة وسائط التخزين الرقمية ، وبشكل خاص ثورة الذواكر الفلاشية Flash Memories ، فهذه التقنية تستمر في تقديم سعات أكبر وأكبر ، لقد عايشناها منذ أن كانت 128 ميقابايت ، ثم استمرت في الصعود شيئاً فشيئاً ، وكلما وصلت إلى محطة أعلى اعتقدنا أننا قد وصلنا القمة وأن هذا منتهى احتياجنا وظننا أن ليس ثمة سعة أكبر ، لكنها لم تقف عن حد في الصعود وهاهي اليوم تستمر في الصعود حتى وصلت إلى 1 تيرابايت

في هذه المقالة، سنأخذك عزيزي القارئ في رحلة معرفية حول الذواكر الفلاشية ، سنبدأ هذه الرحلة بشرح طريقة عمل هذه الذواكر بشكل فعلي ، ثم نعرج على الأنواع والمنتجات التي ظهرت بناءً على تقنية التخزين هذه، كما يمكنك مطالعة المقالة السابقة في هذه السلسلة والتي كانت عن شاشات اللمس.

مدخل

تسمى ذاكرة وميضية (Flash Memory) أو (ذاكرة فلاشية) ، وهي من النوع الغير متلاشي (non-volatile) أي أنها لا تفقد البيانات المخزنة بداخلها عند انقطاع الكهرباء عنها ، وهي عكس الذواكر المتلاشية (مثل الرام RAM) التي تفقد ما بها من بيانات بمجرد انقطاع الكهرباء عنها ، بدأ تطويرها من قبل شركة توشيبا في 1984 ، وقد تم تطويرها باستخدام نموذج ذواكر EEPROM في بداية الأمر.

انتشر هذا النوع من وسائط التخزين في الفترة الأخيرة بشكل كبير ، وأهم أسباب ذلك هو صغر حجمها وانخفاظ تكلفتها ، فهي من وسائط التخزين الغير ديناميكية ، التي لا توجد حركة بداخلها ، عكس وسائط تخزين اخرى مثل القرص الصلب (Hard Disk) الذي يعتمد على الحركة الديناميكية لقراءة وتخزين البيانات فيه ، لهذا السبب فقد بدأت تقنية الذواكر الفلاشية تزاحم الأقراص الصلبة في عالمها وسوقها ، فهنالك اليوم أقراص الـ (SSD) الصغيرة والهادئة مقارنة بالأقراص الصلبة.

كيف تعمل الذاكرة الفلاشية

في البداية يجب ان نعرف الطريقة العامة لتخزين البيانات (أيا كان نوعها) داخل وسائط التخزين الرقمية بشكل عام ، إنها طريقة الأصفار والوحايد ، بحيث يتم تمثيل أي بيانات (نصوص – صوتيات – صور …الخ) إلى صورة أولية مكونة من مجموعة كبية من الأصفار والوحايد مرتصة بجانب بعضها ، فمثلاً الحرف (A) يتم تمثيلة بلغة الباينري بـ (1000001) ، وهكذا فكل حرف وكل رقم وكل رمز يتم تمثيله بمجموعة من الأصفار والوحايد ليتمكن الحاسوب بعد ذلك من تخزين هذه الرموز ، أما تفسير هذه الرموز وتحويلها من وإلى الصور المفهومة للإنسان فتتم بواسطة البرامج والتطبيقات المختلفة.

السؤال هنا ، كيف يتم تخزين هذه الأصفار والوحايد داخل الحاسوب وفي وسائط التخزين المختلفة؟ لكن قبل أن نجيب على هذا السؤال دعونا نفرق أولاً بين نوعين من وسائط التخزين ،، النوع الأول هو ما يعتمد على الأسطح الممغنطة (مثل الأقراص الثابتة والمرنة والقرص الصلب (Hard Disk)) والنوع الثاني هو ما يعتمد على قطعة متناهية الصغرى تسمى (ترانززستور) أو (المقحل) (مثل الذاكرة العشوائية RAM ، وذاكرة القراءة فقط ROM ، والذواكر الفلاشية).

إذاً، فقد عرفنا أن الذواكر الفلاشية تعتمد على تقنية الترانززستور ، فما هو الترانززستور يا ترى ؟ الترانززستور عبارة عن قطعة صغيرة أحدثت تطورات هائلة وثورة تقنية في الكثير من المجالات ،، يعتبر أساس صناعة الحواسيب ، وبشكل مبسط يمكن أن تتخيل الترانززستور على أنه أنبوب صغيرة لتمرير الماء من خلاه ، وهنالك في وسط هذا الأنبوب بوابة للتحكم في مرور الماء أو عدم مروره ، كذلك هو الترانززستور ، يتكون من ثلاثة أطراف ، طرف لدخول الشحنات الكهربائية وطرف لخروجها وفي الوسط يوجد المتحكم وبين طرف الدخول وطرف الخروج هنالك مادة شبه موصلة (سيليكون) ، وعندما يسمح المتحكم في مرور الشحنات الكهربائية وتمتلئ المادة الشبه موصلة بالشحنات الكهربائية ، حينها يتم اعتبار ذلك (1) ، وعندما تقوم البوابة بمنع الشحنات من المرور في الترانززستور ويكون خالياً من الشحنات ، حينها يتم اعتبار ذلك (0) ، وهكذا يتم تمثيل الأصفار والوحايد (التي تعبر عن جميع انواع البيانات كما ذكرنا سابقاً) ، وهكذا تعمل الذواكر المتلاشية مثل الرام ، لكن المشكلة أنه عند انقطاع التيار الكهربائي عن هذه الترانززستورات فإن جميعها يصبح خالياً من الشحنات الكهربائية وتصبح كلها أصفاراً وبالتالي تمسح البيانات التي كانت بداخلها !

شاهد الفيديو التالي الذي يشرح فكرة عمل الترانززستورات من نوع MOSFET المستخدمة في الحواسيب اليوم ، وأنصحك بعدها بمشاهدة هذه الفيديو لتكتمل الصورة:

تلك كانت فكرة عمل الترانززستورات بشكل مبسط ودون الدخول في التفاصيل التقنية ، وإذا أردت التعمق اكثر في فهمها فأنصحك بقراءة هذه المقالة المبسطة باللغة الانجليزية، لكن المشكلة كما ذكرنا أننا لا يمكننا تخزين البيانات فيها بدون وجود مصدر كهربائي متصل ، فعند فقد الكهرباء كل الترانززستورات تعود لحالتها الأولية بدون أي شحنات كهربائية ويتم فقد جميع البيانات التي فيها ، لهذا السبب فقد تم اختراع نوع جديد من الترانززستورات لحل هذه المشكلة ، من أجل الاحتفاظ بالبيانات حتى عند انقطاع التيار الكهربائي ، فكيف يعمل الترانززستور الخاص بالذواكر الفلاشية ؟

الترانززستورات بشكلها العادي تستخدم في صنع الذاكرة المتلاشية (التي تفقد البيانات بمجرد فقد الكهرباء) لكن من أجل المحافظة على البيانات بعد ان ينقطع مصدر الكهرباء تم تطوير نوع من الترانززستورات اسمه (Floating-gate Transistor) أو (Floating-gate MOSFET) (انظر للصورة في الأسفل) هذا النوع يحتوي على بوابتين وليس بوابة واحدة، بوابة (Floating Gate) وبوابة فوقها تسمى (Control Gate) تفصل بينهما طبقة (oxide). عندما تمر الشحنات السالبة من المصدر (Source) إلى المخرج (Drain) تتسرب بعض الإلكترونات إلى البوابة الوسيطة (Floating Gate) وتبقى عالقة هناك ، وحتى عند توقف المصدر الكهربائي وتوقف مرور التيار الكهربائي في الترانززستور فإن تلك الشحنات السالبة تبقى عالقة بداخل تلك البوابة وهذه الشحنات السالبة تعني رمز (0) حاسوبياً.

oa_Flash_Memory_1

الصورة تحت رخصة المشاع الإبداعي (BY-SA)

ومن أجل تخزين الرمز (1) في الترانززستور ، فإنه يتم توصيل بوابة التحكم (Control Gate) بجهد موجب كهربائي مما يدفع الشحنات السالبة العالقة في (Floating Gate) إلى الرجوع من حيث دخلت والخروج ، وبالتالي تختفي الشحنات السالبة من هذا الترانززستور فيعتبر أن هذا هو رمز (1) ، وبهذه الطريقة يتم تمثيل البيانات وتخزينها ، فكل ترانززستور يكون بين حالتين ، إما أنه يحمل شحنات سالبة وهذا يمثل الرمز (0) أو أنه لا يحمل أية شحنات وهذا يمثل الرمز (1) ، وبهذه الأصفار والوحايد يمكن تمثيل كل أنواع البيانات حاسوبياً ، وطبعاً كل ذاكرة فلاشية تحتوي على مليارات من هذه الترانززستورات المتناهية الصغر.

يمكنك قراءة هذه المقالة التبسيطية (باللغة الانجليزية) لمزيد من الإطلاع .

منتجات الذواكر الفلاشية

تستخدم الذواكر الفلاشية في الكثير من المنتجات ، سوف نركز هنا على أهم الأنواع المستخدمة فقط ، وهي كالتالي:

oi_n1 Secure Digital أو (SD)

oa_Flash_Memory_3

الصورة تحت رخصة المشاع الإبداعي (BY-SA)

ذاكرة (Secure Digital) أو (SD) التي أصبحت رفيقة حياتنا المعاصرة ، حيث أصبحت مستخدمة بشكل كبير في الكثير من الأجهزة وخاصة الصغيرة منها ، فهي موجودة في الهواتف الذكية والكاميرات الرقمية وفي أجهزة الوسائط المتعددة المحمولة وغيرها من الأجهزة الصغيرة ،، تتميز بصغر حجمها وخفة وزنها وقدرتها العالية لتخزين البيانات ، تقول المصادر أنها ظهرت عام 1999 كتطوير لذواكر MultiMediaCards أو (MMC) والجهة المختصة بتطوير هذا النوع من الذواكر اليوم هي (SD Association)

أنواع وأشكال ذاكرة الـ(SD)

   

هنالك ثلاثة أنواع رئيسية (ونوع رابع غير مستخدم بكثرة هو SDIO) وثلاثة أشكال مختلفة ، أما النوع الأول الذي هو الجيل الأول والأصلي من هذه الذواكر فيسمى (Standard Capacity) أو (SDSC) هذا الإصدار الأول لم يكن يستوعب مقدار كبير من البيانات ، ثم أتى التطوير المهم لهذه الذواكر من أجل صنع جيل جديد من الذواكر التي تستوعب مقدار كبير من البيانات وذلك في عام 2006 ، فأتى جيل الـ(High Capacity) أو (SDHC) حيث يستوعب هذا النوع حتى 32 ميقابايت من البيانات كما أنه أتى بسرعة نقل أعلى مما سبق ، هذا الإصدار له رقم هو (2.0)، ثم في عام 2009 تم تطوير نوع ثالث من هذه الذواكر هو (eXtended Capacity) أو (SDXC) الذي هو الإصدار رقم (3.01) بحيث يمكن أن يستوعب حتى 2 تيرابايت من البيانات ويستخدم تقنية لنقل البيانات تسمى (UHS-I) وتكون سرعة نقل البيانات فيه من 50 إلى 104 ميقابايت في الثانية. وهذه هي الأنواع الموجودة حالياً ، لكن هنالك إصدار آخر يتم تطويره اعلن عنه في 2011 رقمه (4.0) يمكنه أن ينقل البيانات بسرعة تصل إلى 312 ميقابايت في الثانية.

أما أشكال ذواكر الـ (SD) فهي معروفة لدينا لكثرة استخدامنا لها ، فهنالك الشكل العادي الكبير ، وهنالك الميني إس دي (miniSD) وهنالك النوع الثالث الأكثر انتشاراً وخاصة في الهواتف الذكية والأجهزة الصغيرة وهو المايكرو إس دي (microSD) ، شاهد الصورة التالية لتتعرف على أبعاد مساحة هذه الأنواع:

oa_Flash_Memory_2

الصورة تحت رخصة المشاع الإبداعي (BY-SA)

oi_n2 ذاكرة الـ USB

oa_Flash_Memory_4

ذاكرة اليو إس بي هي اندماج لتقنية نقل البيانات الـ(يو إس بي) مع تقنية الذواكر الفلاشية لتوفير اجهزة صغيرة لتخزين البيانات بسهولة وحملها في الجيب ومن ثم توصيلها بكل سهولة عن طريق منافذ الـ(USB)، يمكنك قراءة مقالتنا السابقة الخاصة بالـ(USB). تم تطوير هذا النوع من الذواكر بدايةً في 1999، وقد تم طرح أول منتج من هذه الذواكر في السوق عام 2000 من قبل شركة آي بي إم بالشراكة مع شركة (M-Systems) حيث كانت هذه الذاكرة الفلاشية تحم اسم (DiskOnKey) بمعنى (قرص في مفتاح) ، كما أن شركة Trek Technology قد اطلقت في نفس العام أول ذاكرة فلاشية من هذا النوع وسمتها بالإسم (ThumbDrive). وقد كانت سعة الذاكرة الفلاشية التابعة لآي بي إم هي 8 ميقابايت فقط.

من 8 ميقابايت عام 2000 إلى 1 تيرابايت (مليون ميقابايت) عام 2013 ، حيث أعلنت شركة kingston أن فلاشات الـ 1 تيرابايت أصبحت متاحة ومتوفرة في الأسواق (لكنها أعرض وأكبر حجما من الفلاشات العادية)، لكن بشكل عام الفلاشات ذات الحجم (من 8 إلى 128 قيقابايت) هي المتداولة في السوق اليوم.

oi_n3 Solid-state drive أو (SSD)

ذاكرة أو قرص الـ(SSD) أو (Solid-state drive) يستخدم لتخزين البيانات في الحواسيب كبديل للقرص الصلب (Hard disk) أو كقرص خارجي للتخزين الإحتياطي، حيث يمكن استخدام هذه الأقراص بداخل الأجهزة الحاسوب المحمولة وخاصة الأجهزة الخفيفة والنحيلة بسبب أن وزنها وحجمها أقل بكثير من القرص الصلب ، فهذا النوع لا يعتمد على أي حركة ديناميكية داخله وهو عكس الأقراص الصلبة التي تحتوي على أقراص ممغنطة تتحرك بسرعات عالية مع رأس قارئ يتحرك ليقرأ ويكتب البيانات على تلك الأقراص ، بشكل عام تتميز هذه الأقراص عن الأقراص الصلبة HHD بالتالي:

  • أهدأ صوتاً
  • أخف وزناً
  • أقل حرارةً
  • أكثر استحمالاً للصدمات
  • أسرع قراءة للبيانات
  • أقل استهلاكاً للطاقة
  • لكنها أغلى سعراً

مشكلة هذا النوع من الأقراص أن سعره لا زال مرتفعاً ، حيث أنه يكلف عدة أضعاف ما يكلفه قرينة من نوع HHD وخاصة الأنواع ذات الأحجام الكبيرة ،، وبشكل عام ، حالياً أسعار أقراص SSD التي حجمها 126 ميقابايت تكون أقل من 100 دولار في الغالب. يمكن شراء هذه الذاكرة واستبدالها بالقرص الصلب لديك وتوصيلها بمنفذ SATA ثم استعمالها بشكل طبيعي أو استعمالها بجانب القرص الصلب القديم. يمكن قراءة هذه المقالة باللغة الانجليزية للتعرف على الفروقات بين SSD و HHD بشكل مفصل.

إن تاريخ تقنية الـ SSD أقدم من تاريخ بقية الذواكر التي تعتمد على تقنية الفلاش ، حيث أن هذا النوع كان يستخدم في الأصل كذاكرة متلاشية تستخدم لتخزين البيانات في الحاسوب بشكل مؤقت عند وجود الكهرباء ، لكن بعد ذلك تم استخدام تقنية الذواكر الفلاشية التي يمكنها الاحتفاظ بالبيانات دون وجود الكهرباء، وتذكر المصادر أن أول ذاكرة فلاشية من نوع SSD كانت من إنتاج شركة SanDisk عام 1991 وبيعت بسعر ألف دولار ، وبعدها توالات التطويرات والإنتاجات حتى وصلنا إلى عصرنا الحالي حين أصبحت هذه الأقراص مشهورة ومستخدمة في الكثير من الأجهزة الحديثة

  • فراس

    مقال رائع ومعلومات مفيدة .. شكرا جزيلا

    • Omar Alhamdi

      العفو أخي الكريم

  • Saad

    شكرا جزيلا أخ عمر ,,,, استفدت كثيرا من هذا الموضوع

  • ѦՊԻ

    مقال ممتاز 👋 👍 🙏 👏

تعليقات عبر الفيسبوك