عيوب التغريد\عيوب المغرد [1]

الإنسان كائن نسقي، فهو ينتج النسق ويتأثر به. وعليه فإن العيوب النسقية لأي خطاب بشري لابد أن تؤثر على منتجها ومستهلكها. وكما يتضح لنا من الإحصائيات فإن لتويتر قوة هائلة في جذب المستخدمين للتفاعل وقتا أطول؛ مما يزيد قدرته على التأثير في شخصيات مستخدميه.

هذه محاولة لجمع ما ظهر لي من عيوب وأخطاء بالخطاب التويتري، أي الأخطاء التي تتعلق أساسًا بالبيئة التويترية وطبيعة النشر والتلقي فيها.

وهم التعدد والاختلاف في مواجهة حقيقة التبعية والذوبان

رغم كل ما نبثه حول اختلاف الرأي واحترام حرية التعبير، ورغم إيمان الكثير منا بأن شعارات من نوع الإعلام الجديد والشبكات الاجتماعية أضحت موطناً للحرية في إبداء الرأي والتحاور إلا أن ما يحدث بتويتر يطيح بهذه الرؤية. ففي تويتر عندما يطرح الواقع لنا أي قضية ينقسم المغردون لقسمين، ليست المشكلة أنهما اثنان أو حتى عشرة بل إنهما يتبعان كبار القوم هناك، وتعريف الكبير مختلف، فالبعض يلجأ لاتباع المشاهير والبعض يلجأ لاتباع أعداء أولئك المشاهير!

والسبب في هذه التبعية إما الإعجاب بأخلاق المتحدث أو تأثيره على الآخرين بغض النظر عن رأيه ومدى صحته واقتناع التابع به.

بعيداً عن الأشخاص والتعصب لهم، رغم خطورة الانخراط بصفوفهم دون سبب واعي. هناك قضية أخطر، قضية تغطية العقل والتابعية العمياء، الانقياد المجنون إما للثقة أو خوفا من إبداء الرأي والبقاء وحيداً في ظل ثقافة” الموت مع الجماعة رحمة”، رغم أن الجماعة ما وافق الحق ولو كنت فرداً!

في هذه الأوضاع المشحونة، تفقد القضية مصداقيتها، ويفقد المغردون موضوعيتهم، تنتهي القضية لصالح أحد الطرفين أو تبقى معلقة، تأتي قضية أخرى والقلوب لازالت محتقنة! ومن هنا نفهم سبب تكوين أحزاب القضية الجديدة!

قد يغلق المغرد جهازه لكن يبقى انعدام الموضوعية يطارده في حياته الواقعية، ويظهر هذا على أشياء كثيرة في حياته.أنا مثلا، ورغم أني لم أجرب التحيز في تويتر، إلا أني كنت أنساق لبعض الآراء دون وعي بالقضية الأصلية وأفاجأ حين أناقش والدي عنها بأن جزءها الأكبر غائب عني تماماً وأن رأيي الذي ظننته صائباً، ما عاد كذلك!

التبعية كذلك تنعكس حتى على اللهجات التي نغرد بها، فبما أننا لا نكتب بالفصحى غالباً، فمن السهل أن تلحظ انحسار لهجات المغردين في لهجتين تقريباً، يتم استخدامها من قبل جميع المناطق والفئات. نقطة أخرى تتعلق باللغة، وهي تفشي بعض المفردات “الشبابية” والتي لا علاقة لدلالتها بمعناها المعجمي، مما يدل أن سبب جماهيرية هذه المفردات متعلق بمنشئيها أكثر مما هو مرتبط بمدى عمقها اللغوي وتوصيفها الفعلي للحالة.

وفي ظل التبعية وتغطية العقل، نجد أن عقلاً جمعياً يتحكم بعقليات المغردين ويخضعهم لهواه (يتعرض الكل لهذا الإخضاع سواء كانوا أعضاء في الحزب أم قادة له) مما يقتل التعددية الثقافية التي طالما تبجحنا بها وظننا بأن تويتر موطنها الأمثل. وهذا ما تنبهت له من قول أحد الإخوة في معرض حديثه عن الإعلام الجديد وتويتر أحد وسائله بأنه “لا يسيره سوى المجتمع”. والخطر في هذه النقطة أن المجتمع قام بعملية التسيير بما لديه من أخطاء وعيوب لم يستطع أن يواجهها أيًا من النخب أو الشعبويين. وهذا يذكرني بقول د.الغذامي:

“لعل من أبرز علامات النسق أن تختلط الأحكام الثقافية ليس لدى المؤسسة الثقافية الرسمية، بل لدى ممثلي التجديد والتحديث، حتى لتأتي تطلعاتهم التجديدية على صورة مشوهة ومحدودة المطمح، مما يعني أن النسق يصل في هيمنته حدًا لا يتحكم فيه بالخطاب الرسمي فحسب بل بالخطاب المعارض أيضًا.”

فالنسق دائماً أقوى من مقدرة شخص على تجاوزه، وهو بحاجة لتضافر الجهود في تعريته ومواجهته.

مظهر آخر من مظاهر التبعية يتجلى في”المواسم”فبين فترة وأخرى نجد موسمًا تصبح فيه الغالبية الساحقة قارئة مجنونة للدكتور بكار، ثم للوردي، ثم الكل يتناقش حول عزازيل، وبعدها يتجه التفكير نحو الدين والدعاة والفقهاء ومسألة تزوير الدين لبعض القضايا عبر بعض الأشخاص، وفترة أخرى الكل يتحدث بمنطق الثورة، الكل غاضب على بن علي رغم أنه لم يأبه للشعب التونسي من قبل….إلخ

ولا أدل على ثقافة التناسخ المستشرية بتويتر من قراءة نبذة عن بعض المغردين: فالكل يملك كاميرا احترافية، الكل يملك تشكيلات آبل، الكل يصنف نفسه على أنه جيكس!

كل هذه التبعية ومع الانغماس في التغريد تحدث تلاشياً للوعي من حيث نظنها تؤسسه.

التنازلات وإعادة صياغة المفاهيم

الاندماج في الحياة يجبرك على بعض التنازلات، وهذه مسألة معروفة حتى على الصعيد السياسي، وفيها شيء من الذكاء. لكن الاندماج بصورته الحالية في تويتر يجبرك على تغيير الكثير من مفاهيمك وأفكارك، بل ربما مبادئك في سبيل البقاء بنجاح. والمشكلة تحدث حينما تتنازل عن الكثير دون أن تنتبه، وتتضاعف الخسارة حين تكتشف أن هذا التنازل كان في سبيل اللاشيء.

وهذه جملة من المفاهيم التي تتغير عند استخدام البعض:

  • الخصوصية: في السابق كان المدون يكتب ما يريد، دون أن يفصح عن مكان تواجده، فهو يرى أن هذا من أبسط خصوصياته، خصوصاً وكونه لا فائدة من إخبار الآخرين بهذا. لكن مع تطبيقات متابعة الأماكن ونشرها عبر تويتر تم تغيير إحدى مفاهيم الخصوصية وصارت مشاركة أماكن التواجد أمراً عادياً، ورغم عدم فائدته إلا أنه أصبح أمراً واقعياً لا مفر منه، وابتعد عن دائرة الخصوصية.
  • الثرثرة: وهي أوضح من أن أفسرها، ولكم أن تكتفوا بمراقبة السلوكيات الكلامية لشخصية المغرد لتدركوا هذا.
  • تسريب المشاعر، الكثير من الأشخاص يقدرون كتم المشاعر أياً كانت، لكن هذا انطمس مع التغريد، فالكل يتحدث عن مشاعره: حب، كره، استفزاز، غضب، سخط، سعادة، حزن، خيبة …إلخ
  • نوع المنشور: البعض يرسم لنفسه خطة منهجية للتغريد بحيث لا يخرج عنها، وقائمة كلمات محظور عليه الحديث عنها، لكن الاندماج يجبره أن يتنازل شيئاً فشيئاً حتى يكتشف أنه حاد عن الطريق الذي رسمه لنفسه.

التسطيح والتضخيم

إحدى أبرز عيوب الشخصية المغردة، والتي تتعلق أساساً بطبيعة التغريدة المحصورة ب140 حرف السريعة النشر الآنية التفاعل.

فبعض المعلومات، الحقائق، الآراء، المشاعر تتعرض لعمليات تستطيح أو تضخيم هائلة، تفقدها قيمتها وتؤثر عليها. فمثلاً قبل فترة قرأت عن اعتراض البعض على إحدى مقالات الإعلامي تركي الدخيل موجهين اللوم له بأنه بقي صامتًا في أزمة جدة، وحصلت هذه التغريدة على عدد كبير من إعادة النشر، ليجيء الدخيل ويثبت أنه كتب قرابة 10 مقالات عن الموضوع.

هذا التسطيح الذي تعرضت له الحقيقة بافتقارها للعناصر المقنعة كان سبباً في إحراج عدة أشخاص قاموا بالموافقة على الموضوع “المسطح” والمفتقر للدليل.

أيضاً هناك توجه غريب لقراءة وإعادة نشر التغريدات، المقالات، التدوينات، المواضوعات السطحية غير المؤثرة على الصعيد الشخصي أو الاجتماعي. أو بأحسن الحالات قراءة الموضوعات الدسمة مع عملية تسطيح تتعرض لها أثناء النشر مما يؤثر على طريقة تفكير المغرد المتلقي وتوجيه قراءته بشكل سطحي جدا.

ومن ضمن المؤشرات الدالة على التسطيح هو ما يتعرض له حس الدعابة عند شخصية المغرد؛ إذ ولأسباب كثيرة من بينها الخضوع للعقل الجمعي وحب الظهور،  إذ تنمو مجموعة من النكات ونوعية معينة من السخرية “المصطنعة” والتي يتم تداولها على أنها مضحكة رغم ما تحويه من سطحية ظاهرة في عدم عفويتها.

على الضفة الأخرى وبدلاً من أن نتحدث عن “تعميق” المواضيع، فإننا سنتحدث مرغمين على تضخيمها.

بعض المواضيع، الكتب، المقالات، الأفكار، القضايا ولمجرد أن فلان أول من تحدث عنها وطرحها فإنها ستتعرض لعمليات تضخيم وتتصدر المجالس رغم عدم أهميتها العامة أو الخاصة، لكن وبسبب الخوف من الخروج على\عن العقل الجمعي، فإن البعض ينقاد لهكذا أشياء لمجرد الخوف.

نقطة أخرى تتعلق بالتضخيم، مجتمع تويتر الضخم يعد بيئة مناسبة جداً لنشر الإشاعات والأحاديث الخاطئة عن الأفكار والأشخاص والتي يتم تصديقها والوثوق بها بسبب من طرحوها وبسبب الفكرة السائدة عن مصداقية مجتمع تويتر.

قتل المشاعر

يمكنك بسهولة ملاحظة عمليات القتل البارد الذي تتعرض له المشاعر من خلال التغريد.

وهي على نوعين:

  • قتل الإحساس: ومن أكثر الدلائل عليه ما حدث أثناء الثورة الليبية، حيث تم تحريك التفكير عبر العقل الجمعي من جرائم القذافي للحديث عن تهريج القذافي، صحيح أنه أكبر طرائف الأمة العربية، لكنه أكثرها وحشية على الإطلاق. وقتل الإحساس بالمسؤولية تجاه الثوار وقضيتهم العادلة مع هذا الطاغية عبر تبادل النكات حول سخافات القذافي لهي أبشع جريمة يقترفها الخطاب عبر تويتر؛ إذ يعمل على توجيه الفكر بصورة لا أخلاقية نحو الناحية الأسخف في الموضوع. هذا حصل أيضا أثناء أزمة جدة واليابان، حيث تم استخدام السخرية كمخدر والله المستعان. وهنا تدوينة عن خطورة الموضوع.
  • قتل المعنى: تكرار الكتابة عن المشاعر وحول أتفه الأشياء وأهمها يعد قاتلاً محترفاً لعمقها، حيث يفرغها من معناها وقيمها وتصبح مجرد مادة للتغريد.

وهناك مسألة أخرى تتعلق بالمشاعر وهي كما صرح أحد المغردين بقوله “أن تويتر لم يوجد إلا للتفريغ”! وهذا يدعم ما قلته سابقاً حول محدودية تأثيره وعدم فاعلية المغرد. فالمشكلة المتمثلة في الصراخ الجماعي (الزئير كما يراه محمد حسن علوان) أنه بدل أن يشعل الإرادة قام بإخمادها. وأصبح هم الفرد أن ينفس عن غضبه، أن يكتب جملة ساخرة يعيد متابعوه نشرها.

هذه كانت جملة من الأخطاء والعيوب المختبئة بخطاب تويتر بسبب طبيعته وطبيعة التلقي والتفاعل فيه. في التدوينة القادمة سنناقش العيوب والأخطاء التي ظهرت على شخصية المغرد سواء بسبب هذه العيوب أو غيرها.

مصدر الصورة