التقاريرمقالات مميزة

اقتصاد صناعة المحتوى: الخطوة المقبلة لعمالقة التواصل الاجتماعي

اقتصاد صناعة المحتوى: الخطوة المقبلة لعمالقة التواصل الاجتماعي

لقد دفع وباء كورونا بوجوهٍ جديدة كثيرة إلى ساحة صناعة المحتوى ، فالعمل عن بعد والعمل الحر والعمل الذاتي صارت مفاهيم أساسية لدى الكثير من الناس الذين لم يعودوا مقتنعين بالوظيفة التقليدية.

هؤلاء استخدموا بالطبع وسائل التواصل الاجتماعي لترويج أنفسهم ومحتواهم، لكن ليست جميع وسائل التواصل الاجتماعي سواسيةً في ذلك. فقد أدرك صانعي المحتوى أن عليهم امتلاك منصاتهم الخاصة إن أرادوا حقًا امتلاك مشاريعهم، لكنهم أيضًا يعرفون وسائل الربح الممكنة إن شاركوا على هذه المنصات، وهو بدوره ما يدفع بفيس بوك وتويتر وتك توك وغيرها إلى توفير المدخول المادي لهؤلاء الصانعين عن طريق مشاركة الأرباح معهم، لأنهم يعلمون أنهم الوسيلة الوحيدة لجعل الناس يبقون لديهم بدلًا من الذهاب لغيرهم.

كيف يبدأ صانعي المحتوى مشروعهم

يريد أي صانع محتوى جديد بناء جمهوره بأسرع وقتٍ ممكن على أفضل منصة تحوي جمهوره المستهدف، فمثلًا:

  • جمهور الألعاب ومحبيها لا يتواجدون على تويتر، ولهذا لن تجد صانع محتوى متخصص بالألعاب على تويتر اللهم إلا لنشره الأخبار والتحديثات الشخصية، لكن هؤلاء يذهبون لمنصات مثل Twitch وDiscord، لأنها مناسبة أكثر لهذا الجمهور.
  • كما أن التوزع الجغرافي لمستخدمي منصات التواصل الاجتماعي مهم، فمثلًا لا يشيع استخدام فيس بوك في دول الخليج، بينما يستخدم سناب شات أكثر من 71% من الشعب السعودي، وبالتالي من يريد استهداف هذه الفئة عليه أن يتمركز في سناب شات.
  • وتاريخيًا يوتيوب (وفيس بوك في السنوات الثلاث الأخيرة) هما أفضل الأماكن لنشر المحتوى المرئي الطويل، لأنه سهل الوصول والمشاركة إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور العام وقابل لتحقيق الانتشار الفيروسي.

هناك بعض صانعي المحتوى ممن لا يمتلكون مواقع شخصية، بل فقط حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي. لكن هؤلاء بدؤوا يدركون مؤخرًا أن امتلاك موقع ويب لهم سيزيد من فرص انتشارهم وأرباحهم، لأن المنصات تحتفظ بمعظم الأرباح لنفسها، كما أن منشئي المحتوى هؤلاء يخسرون نسبة كبيرة من الزوار الذين لا يستعملون منصات التواصل التي يعملون عليها وأولئك الذين يبحثون عن الأشياء في محركات البحث كجوجل، وفوق كل هذا عليهم الالتزام بسياسات الاستخدام لكل هذه المنصات.

مع بداية جائحة كورونا – وحيث لم تكن مواقع التواصل الاجتماعي مستعدةً بعد – بدأ الكثير من الداخلين الجدد إلى صناعة المحتوى تحت فكرة إنشاء مواقعهم الخاصة والربح منها عبر وسائل مختلفة كالإعلانات وغيرها، ثم مشاركة محتواهم فقط على مختلف المنصات للحصول على ربح إضافي، ولم تكن هذه المنصات جذّابةً لهم وقتها ليتمركزوا حولها فقط، لكن تدريجيًا بدأت المنصات بالانتباه وترى أن الأفضل لها أن تستوعبهم ليتخلوا عن هذه الفكرة ويركّزوا عليها وحدها، وهذا لزيادة إمكانيات الوصول الإعلاني الخاصّة بها.

أهميّة صانعي المحتوى لأي شركة

لصانعي المحتوى أهمية كبيرة جدًا بالنسبة لمواقع التواصل الاجتماعي، فهم أصلًا من يصنعون المحتوى الذي يتابعه ويستفيد منه الآلاف والملايين من المستخدمين العاديين الآخرين على الشبكة.

تعتمد معظم مواقع التواصل الاجتماعي في عملها على الإعلانات، ولكي تتمكن من جذب المعلنين إليها والربح من إعلاناتهم على الشبكة لا بد أن تكون فئة المستخدمين التي يريدها المعلنون حاضرةً على هذه الشبكة الاجتماعية. وهو بدوره ما يوصلنا إلى مربع صانعي المحتوى: هم من يصنع المحتوى الذي سيجذب هذه الفئات من المستخدمين إلى منصات التواصل الاجتماعي، وبالتالي يمكّنون المنصّات من عقد شراكات مع المعلنين وتحقيق الأرباح.

وهو ما يفسّر لك هذا السباق المحموم لجذب صانعي المحتوى؛ لأن وزنهم يساوي ذهبًا بالنسبة للمنصّات الاجتماعية، فهم من يجعلون المستخدمين الآخرين يبقون لفترة أطول على هذه المنصات ويشاهدون فيديوهات أو منشورات أكثر، وبالتالي يسمحون للمعلنين باستهداف بقية المستخدمين لفترة أطول وتحقيق المزيد من الأرباح للجميع.

ولكن ثبت لهذه المنصّات أن جذب صانعي المحتوى إليها عملية صعبة وتحتاج التخطيط، فبالنسبة لصانع المحتوى الأفضل له أن يعمل موقع ويب منفصل خاص به، ثم يجذب المتابعين إليه عبر محركات البحث أو النشرات البريدية أو غير ذلك من الوسائل، ويحقق الأرباح بشكل منفصل عن طريق برامج الإعلانات مثل جوجل أدسنس أو الكتب والدورات المدفوعة أو غيرها بدلًا من الاعتماد بالكامل على منصات التواصل الاجتماعي.

تحرّكات عمالقة التواصل الاجتماعي لجذب صانعي المحتوى

لأجل ما سبق يحاول عمالقة التواصل الاجتماعي جذب هؤلاء الناس إليهم عبر عدة طرق ووسائل، وكل شبكة تحاول بطريقة مختلفة:

  • تويتر يحاول جذب صانعي المحتوى الصوتي والبودكاست إليه عبر دفع 2500$ شهريًا لهم إن كانوا يحققون شروطًا معينة. ثبت لهم أن العملية صعبة ومكلفة فقد أغلقوا باب التقدّم على هذا البرنامج في أقل من أسبوع بسبب كثرة الطلبات. وقد استحوذ تويتر على منصة Revue للنشرات البريدية وضمّها إلى خدماته ليتمكن المستخدمون من إنشاء نشرات بريدية مدفوعة عبر حساباتهم في تويتر.
  • ولدى فيس بوك ركن خاص بصنّاعي المحتوى يتيح لهم أسائل وأدوات مختلفة للربح من محتواهم على فيس بوك، وخصوصًا المحتوى المرئي. ويمكنهم الربح عبر الإعلانات التي سيعرضها فيس بوك أثناء عرض فيديوهاتهم أو محتواهم على الشبكة، أو عبر الشراكات الخارجية مع العلامات التجارية المهتمة بنفس المحتوى، أو عبر ميزة المقالات الفورية لعرض محتوى المقالات من مواقع الإنترنت داخل فيس بوك نفسه دون الخروج منه.
  • ويمتلك سناب شات مركزًا شبيهًا هو الآخر لصناعة المحتوى بشروط شبيهة.
  • وتيك توك أيضًا لديه برنامج شبيه محدود لأي شخص مشهور على المنصة لديه أكثر من 10 آلاف متابع وحقق 100 ألف مشاهدة حقيقية خلال آخر 30 يومًا، إلا أنه ما يزال في طور التجريب.
  • وتاريخيًا جوجل هي المسيطر الحقيقي على صانعي المحتوى؛ فبرنامج جوجل أدسنس الشهير وإعلانات جوجل للمعلنين بالإضافة إلى وجود يوتيوب (الذي يشارك نسبة من الأرباح مع صانعي المحتوى) سمح لجوجل بأن تمتلك هيمنة كبيرة على مجال الإعلانات كلّه، وأكثر من 80% من دخل شركة ألفابيت (الشركة اﻷم لجوجل) هو من الإعلانات.

لعل أكثر الشركات ارتياحًا فيما يتعلق بالوضع الحالي لصناعة المحتوى في 2021م هي جوجل بالفعل، فهي مسيطرة عليهم من عدة جهات؛ فمحرّك بحثها يسيطر على 86% من سوق محركات البحث في العالم، وهو سوق يدفع أصحاب المواقع الإلكترونية إلى التركيز على تحسين مواقعهم لجوجل وسياساتها لتجنّب انقطاع أحد أكبر مصادر الزوّار إليهم، كما أن برنامج جوجل أدسنس هو الأكثر سخاءً بالنسبة لصانعي المحتوى، حيث تدفع جوجل 68% من أرباح الإعلانات إلى الناشرين على برنامج جوجل أدسنس.

إن عمالقة التواصل الاجتماعي يحاولون سحب البساط من تحت أصحاب المواقع الإلكترونية المستقلة لجذبهم إليها بدلًا من افتتاح مواقعهم الخاصة، لكن يبدو أن هذه العملية ستكون صعبة جدًا بالنسبة لهم، فلا شيء أفضل لأي صانع محتوى من أن يمتلك السيطرة على كامل محتواه بدلًا من أن يكون خاضعًا لشبكة معينة، كما أن امتلاك موقع إلكتروني مستقل لصانع المحتوى يسمح له بتنويع مصادر الدخل بدلًا من الاعتماد على الإعلانات وحدها.

وفي أسوأ الأحوال، يمكن لجوجل ببساطة زيادة نسبة الـ68% من الأرباح التي تشاركها مع المعلنين إلى نسبةٍ أعلى لتجنب أي خسارة ممكنة.

بعض الشبكات الاجتماعية ما تزال تبني نفسها وجمهورها قبل أن تتحول إلى نموذجها الربحي، ومنها تلجرام. هناك 550م مستخدم نشط شهريًا على تيليجرام إلا أن تلجرام لا يربح أي قرش حاليًا منهم لأن جميع خدماته مجانية، لكن من يتابع سيل التحديثات الهائلة التي يطلقها تيليجرام كل شهر خصوصًا فيما يتعلق بوسائل الدفع المدمجة والغرف الصوتية والمرئية يعرف أن المنصة قريبًا توشك أن تبدأ بعرض الإعلانات أو توفّر مميزات مدفوعة لجمهورها.

منصات التواصل الاجتماعي ليست المنافس الوحيد على صانعي المحتوى

هناك الكثير من المنصات الأخرى المتخصصة التي تجذب صانعي المحتوى إليها بالفعل:

  • كما أن Patreon، وهو منصة اشتراكات شهيرة، مستعمل بكثرة في الغرب لدعم صانعي المحتوى شهريًا سواء بمقابل أو دون مقابل. يحب الكثير من منشئي المحتوى الاعتماد على باتريون وهذا لأنه يخلصهم من عبء البحث عن مصدر دخل ثابت أو دوّامة الإعلانات… إلخ.
  • Clubhouse أيضًا تطبيق متخصص بالغرف الصوتية، وهو من فجّر هذا الاهتمام الكبير بالفكرة مؤخرًا من بقية منصات التواصل.
  • منصات الكتابة الاحترافية والتدوين مثل Ghost وMedium هي الأخرى لا مصلحة لها في أن يبقى المستخدمون على منصات التواصل، ولكنها أصغر حجمًا وأقل قدرة على منافسة عملاقة التواصل الذين يمتلكون ميزانيات بالمليارات.

هذه الخدمات وغيرها تجعل صانع المحتوى يدرك أن أمامه الكثير من الخيارات المتوفرة للربح بمجرد أن يبني جمهوره، وبالتالي هو ليس محدودًا في المنصات التي يمكنه نشر محتواه عليها.

المستقبل لصناعة المحتوى

هناك حاليًا نحو 50 مليون مستخدم يصنفون أنفسهم كصانعي محتوى. هذا العدد كبير لكنه ليس كبيرًا إن كانت كل شبكة ستتاقسمهم ليخدموا المليارات من المستخدمين الآخرين على كل شبكة.

هذا يعني أنه في المستقبل:

  • يمكننا توقع حصول المزيد من المبادرات التي تشجع الأفراد العاديين على التحول لصانعي محتوى، وهذه أفضل طريقة لتتمكن منصّات التواصل من إبقائهم عندها؛ أن تكون هي من صنعتهم أصلًا.
  • كما يمكننا توقع المزيد من عمليات استحواذ الشركات الكبرى على الشركات الأصغر منها المتخصصة في تقديم المحتوى وخدمته؛ ولهذا تفهم إقدام باي بال على شراء Pinterest بـ45 مليار دولار، رغم أنها مجرد شركة مالية بعيدًا تمامًا عن المجال، فضلًا عن مجال Pinterest نفسه الذي 70% من جمهوره هو النساء، وهذا لأنها تفهم أن وسائل الدفع لم تعد محدودة ببيبال وهناك منافسون آخرون في الساحة ولا بد من تنويع مصادر الدخل والوصول إلى العملاء المحتملين بشكل أكبر من السابق.
  • سيعني هذا تحسنًا أيضًا في وسائل الدفع وإمكانيات الاشتراك المدفوع في المنصات، لأن صانعي المحتوى يريدون تحقيق مدفوعات من مشتركيهم. وهو ما وفّره يوتيوب مثلًا عبر الاشتراكات المدفوعة بعد جائحة كورونا، حيث صار بإمكان المشتركين الانتساب إلى قنوات يوتيوب لقاء مبالغ معيّنة شهريًا، ووفره فيسبوك عبر بيع المنتجات.
  • بعض الشركات رغم أنها تمتلك مقدرة هائلة على الوصول للمستخدمين وتحقيق نتائج مثل Reddit إلا أنها لا تنجح في تحقيق أرباح من الإعلانات، فمستخدم ريديت العادي يجلب للمنصة ربح 0.30$ فقط، بينما المستخدم العادي لمنصات التواصل الاجتماعي يجلب من 3$ إلى 9$. هذا يعني أنه إما أن يُستحوَذ على مثل هكذا منصات وإما أن تتحول في نموذجها الإعلاني وتصلحه لتحقق أرباح أكبر.

خاتمة

إن كنت صانع محتوى – أو تريد أن تكون – فحينها من الجيد أن تعلم أن المستقبل مشرق بالنسبة لك، فالجميع يتنافس على الوصول إليك وتقديم وسائل دفع وحلول تواصل لجعلك قادرًا على الربح من جمهورك العريض الذي بنيته، وهو ما يعني أن صناعة المحتوى بأكملها على وشك الانتقال إلى مرحلةٍ أعلى في السنوات القليلة المقبلة.

يبقى حينها أمامك أن تركز على بناء جمهورك، ففي النهاية هذا هو ما يهم لصانع المحتوى بغض النظر عن الوسائل والمنصات والأدوات، فالجمهور الكبير والوفي لصانع المحتوى هو ما يصنع قيمته هذه الأيام على الشبكة.

زر الذهاب إلى الأعلى