أن تجد جواباً لكل سؤال – سمات عصر الانترنت (7)

“إسأل العمل قوقل”، أصبحت هذه العبارة شائعة في واقعنا المعاصر، رغم أن “قوقل” هو محرك بحث وليس بعم أي شخص، لكن كنية “العم” تعبر عن كرمه وعطائه، فهو لا يرد أي سائل يسأل، ولا يبخل بالإجابة عن أي شيء تريد.

كان الأمر في الماضي صعباً؛ أن تجد إجابة لكل سؤال (تقريباً)، لا نتحدث هنا عن تلك الأسئلة الوجودية أو الغيبية أو غيرها مما يحير العلماء والفلاسفة، بل الأسئلة البسيطة التي ربما دارت في خلد أحدهم وهو يتأمل السماء في الليل، عن النجوم والقمر وتضاريس هذه الكرة الأرضية، أسئلة تطرأ في حياتنا اليومية عن التاريخ والأحياء أو حتى عن طبخة تريد المرأة إعدادها في المنزل.

“كيفية إعداد الكنافة بالكريمة” كتابة هذه العبارة في محرك البحث هو كل ما يتطلبه الأمر كي تصل المرأة (أو الرجل) للإجابة الصحيحة، بل ستجد الإجابة بأشكال متعددة، ليست فقط معلومات نظرية، بل صور وفيديوهات وخطوات واضحة، أما في السابق، فلو أنها أرادت معرفة الإجابة، فإحدى الطريق هو شراء كتاب طبخ جيد، أو سؤال امرأة أخرى عندها خبرة في المجال، قد يتطلب الأمر أيام حتى تصل الإجابة، لكن ليس كل الأسئلة بتلك السهولة، فسؤال مثلاً عن إصلاح التلفاز أو أي جهاز كهربائي آخر، قد لا تجده في كتاب أو عند صديق، الأمر يحتاج لخبير في نفس المجال، أما في العالم الرقمي، فأنت في مكان يجتمع فيه خبراء العالم ويشاركون الكثير من المعلومات التي تتحول في نهاية المطاف إلى إجابات لأسئلة الباحثين عبر قوقل.

محركات البحث

“قوقل” ليس سوى محرك بحث، هو الوسيط الذي يوصل السؤال بالإجابة، أما تلك الإجابات فهي قادمة عبر بشر آخرون يعيشون معنا في نفس الكوكب، حين تسأل، ستظهر لك صفحات ومعلومات كتبت منذ ايام، أو حتى سنوات، صفحات في منتديات عفا عليها الزمن لكن صفحاتها باقية توصل المعلومة (الإجابة) لكل من يطلبها بشكل مباشر، قد يجد السائل الإجابة على شكل فيديوهات، تعطيه أكثر مما طلب، على شكل مقالات كاملة تشرح الموضوع بشكل أكثر تفصيلاً، أو على شكل ورقات بحثية نشرت في مجلات محكمة، وافق عليها علماء متخصصون في مجالاتهم.

هنا ملاحظة مهمة، وهي أن الإجابة تأتي قبل السؤال، وهذا ما سمح بأن تحصل على الإجابة في الحال دون تأخير، أنت فقط تعيد استكشاف المحتوى الرقمي لتجد المعلومة التي تجيب على سؤالك، هو نفس الوضع في عالم الكتب والقرطاسيات، قد تكون إجابة سؤالك موجودة فعلاً وسط أمهات الكتب، لكن المعظلة هي في كيفية الوصول إليها، لو أن لديك مثلاً آلة عملاقة لها قدرات خارقة، حين تطلب منها المعلومة تذهب على الفور لتبحث في أمهات الكتب (الورقية) وتأتي بالإجابة بعد ثوانٍ معدودة، لكن الوضع قريب من حياتنا الرقمية الآن، لكن في الحقيقة أن لا وجود لتلك الآلة، ولما الحاجة إليها أصلاً ولدينا (محركات البحث الرقمية) بمختلف أشكالها.

الآلة العجيبة الخارقة ليست سوى (محرك بحث) يمكنه اختراق ملايين الصفحات المكتوبة (رقمياً) ويأتينا بالإجابة في الحال، بدون محركات البحث لم نكن لنتحدث عن هذ الموضوع في هذه المقالة، فحتى مع توفر المحتوى الرقمي الضخم، بدون محركات البحث ستكون كمن يبحث عن إبرة وسط كومة قش، لم تكن لتحصل على الإجابة بسهولة، هي ما تعيد إحياء المحتوى من جديد وتوصله لكل من يريد.

إجابة الأسئلة المستحيلة

يبدأ الدكتور “دانيال رسل” الباحث في شركة قوقل حديثة بأنه يحب “الأسئلة“، وأن عمله في قوقل يتعلق بفهم كيف يطرح الناس الأسئلة ولماذا يطرحونها، وكيف يحصلون على الإجابات، يتحدث عن أننا الآن قادرون ليس فقط على إجابة الأسئلة العادية، بل وأيضاً على الأسئلة المستحيلة “Impossible Questions” ويضرب لذلك مثالاً.

لقد وجد حشرة غريبة (يرقة) في باحة منزلة مثلاً، تغريه بألوانها الزاهية، لكنها لا يعرف ما أصلها وفصلها وهل هي سامة أم لا، لذلك -وبكل بساطة- يصورها ثم يذهب إلى “بحث قوقل للصور” الذي من خلاله يتم البحث عن الصور المشابهة، ثم يجد النتائج المفصلة، ويعرف المعلومات الوافية عن تلك اليرقة. يتساءل: كيف كنت لأعرف تلك المعلومات في السابق؟، المسألة شبه مستحيلة، لكنه عبر خدمة بحث رقمية تمكن من إجابة سؤاله خلال ثوانٍ معدودة.

هل تلك الصورة حقيقية؟ قد تسأل هذا السؤال حين تجد صورة منشورة عن حدث معين أو خبر غير موثوق من صحته، ولأن الفوتوشب (وبقية أدوات تحرير الصور) أصبحت متاحة اليوم للجيمع، فإنه يمكن تزييف الحقيقة وخداعك بسهولة، لكن عبر أداة مثل (قوقل للبحث في الصور) يمكن أن تتأكد من الصورة وترى النتائج الأخرى كي تعرف أين وقعت وكيف وقعت وماهي ملابسات الموضوع وبالتالي تصل إلى الحقيقة.

كم مرة ذُكرت كلمة معينة في القرآن الكريم؟ سؤال قد يبدو صعب أو مستحيل الإجابة عليه بدون أدوات البحث الرقمية المتوفرة الآن، فمعرفتك بطريقة (Ctrl + F) أو (F2) شيء أساسي للوصل إلى النتيجة بكل بساطة، فمثلاً في متصفح قوقل كروم يمكن البحث عن أي كلمة في الصفحة أو أي نص مفتوح أمامك وسيظهر مباشرة كم عدد الكلمات التي وجدها، لكن المثير أن الكثير من الناس لا يستخدمون هذه الطريقة السهلة للوصول إلى إجابات أسئلتهم الصعبة، حيث يذكر الدكتور دانيال أن الإحصائية تقول أن 90% من مستخدمي الانترنت لا يعرفون كيف يستخدمون خاصية البحث داخل الصفحة.

مهارة الوصول للإجابات

قد تواجه مشكلة في حاسوبك أو هاتفك الذكي، فتبحث عن الحل في صفحات الانترنت، تكتب عبارة معينة ثم تفحص النتائح، لا تجد بغيتك، تغير صيغة السؤال، ثم تبحث من جديد، أو ربما تبحث عن الإجابة في المحتوى الإنجليزية بدلاً من العربي، كونها أضخم وأكبر، فليس بالضرورة أن تكون الإجابة غير متوفرة، قد تكون المشكلة في أنك لم تطرح السؤال الصحيح، أو ربما لا تعرف الإداة التي توصلك للإجابة.

يطرح الدكتور “دانيال” سؤالاً قد تبدو الإجابة عنه مستحيلة، حيث يعرض صورة قام بالتقطاها في مكان ما في العالم، ثم يطرح هذا السؤال: ماهو رقم هاتف المكتب الذي كنت فيه حين صورت هذه الصورة عبر النافذة ؟ ياله من سؤال مستحيل، لكنه يخبرنا بالخطوات التي يمكن اتباعها للوصول للإجابة.

تبحث في الصورة لتعرف أي معلومة قد تقودك للحل، تجد إسم شركة مكتوب في قمة البرج الكبير، تبحث عن الإسم “عبر محركات البحث” وتصل لمعلومات الشركة ثم تصل عبر موقعهم إلى عنوان البرج، وعبر برنامج “قوقل إيرث”، ومع خاصية “المجسمات ثلاثية الأبعاد” داخل البرنامج؛ تتمكن من الاستدارة لتعرف الجهة الثانية للبرج، تكتشف أنه مبنى لشركة قوقل، تبحث عن رقم الهاتف الخاص بهم فتصل إليه.

لم يكن ليصل للإجابة لو أنه لا يعرف تلك الأدوات والبرامج، قد تكون الإجابة متوفرة لكن بلغات أخرى، واللغة ما هي إلا أداة وبوابة تفتح لك الطريق للوصول إلى إجابات أكثر وأفضل.

السؤال أولاً أم الإجابة؟

تسأل عضوات المنتدى عن أفضل مدرسة خاصة في منطقة (كذا)، ولأنه منتدى نسائي نشيط، سوف تجد تفاعلاً جيداً، تدخل عضوة أخرى لتكتب تجربتها عن مدرسة (كذا) وعن تقييمها لها، أما تلك فتدل السائلة عن صفحة اخرى فيها سرد لجميع المدارسة الخاصة في نفس المنطقة، ثم تشاركهم ثالثة ورابعة وخامسة … الخ، حتى تصبح تلك الصفحة في ذلك المنتدى دليلاً جيداً لكل من يريد التعرف على المدارس الخاصة في تلك المنطقة.

لقد صدر السؤال أولاً، ثم أتت الإجابات لاحقاً، في نفس اليوم أو في الأيام التالية، لكن تلك الصفحة ستبقى مكانها ليصل إليها كل من يطرح السؤال من جديد، حتى ولو بصيغ مختلفة، محركت البحث اليوم لديها بعض الذكاء -الإصطناعي- الذي يؤهلها كي تفهم ما يرمو إليه السائل، وسوف تظهر تلك الصفحة في ذلك المنتدى من ضمن النتائج، ستظهر من جديد بعد 3 أو 4 سنوات، فالإجابة قد سبقت السؤال، لذلك تتم الإجابة على السائل مباشرة وبدون تأخير (وبأفضل ما يمكن).

يريد أفضل دكتور لعلاج المفاصل في المنطقة أو المدينة، يسأل في حسابه في تويتر أو الفيسبوك، يظهر التعليق الاول، ثم الثاني والثالث، يشارك الناس معرفتهم، قد يجيب عليه أشخاص لم يتسنى له أن يعرفهم في الحياة الواقعية، لكنهم لن يبخلوا بما يعرفوه من معلومات، الأمر شبيه بأن تجمع 500 أو ألف شخص ممن تعرف وممن لا تعرف في قاعة كبيرة، ثم توجه عليهم سؤالك، لكنك ببساطة يمكن أن تعرض سؤالك على مئات أو آلاف الأشخاص وأنت جالس فوق كرسيك المتحرك في المنزل، ثم تنتظر الإجابة من أهل الخبرة.

إحدى حسنات الشبكات الاجتماعية أنها سهلت علينا التواصل بالكثير من الأشخاص وتبادل الأفكار والمعلومات معهم، دون الحاجة لملاقاتهم على أرض الواقع، من زاوية أخرى، هي وسيلة لعرض سؤالك على مئات/آلاف الأشخاص بالمجان. حتى تلك الأسئلة التخصصية التي تحتاج لأهل الخبرة، فعادة الشخص يحيط نفسه بمن هم في نفس مجاله، فمن يعمل في حقل التصوير الضوئي ستجد لديه الكثير من المصورين في قائمة أصدقائه، لذلك؛ فعندما يطرح سؤاله سيجد من يجيب.

أخيراً …

يبدأ الإنسان بالتساؤل منذ صغرة، يأتي إلى هذا الوجود لا يعرف شيئاً، يسأل أبويه في البيت، مدرسيه في المدرسة، أصدقاؤه وجميع من حوله، لا يتوقف بحثه وشغفه لمعرفة المزيد، كل إجابة تفتح له طريق، كل طريق يوصل إلى إنجاز، وعبر تلك الإنجازات يبني سلم حياته ويترك بصمته قبل رحيله، فطرح الأسئلة شيء مجبول عليه الناس بالفطرة، والوصول للإجابة بسهولة أصبح أمر وسمة من سمات هذا العصر؛ عصر الانترنت.

للتعرف على (سمات عصر الانترنت) الأخرى:

  1. الحصول على الأفضل
  2. الوجبات المعلوماتية السريعة
  3. التعليم المجاني والمفتوح
  4. خدمات مجانية وإعلانات تجارية
  5. مجتمعات رقمية مصغرة
  6. المحتوى المرئي بدلاً عن النصي