التقارير

وسائل بديلة يستخدمها صناع المحتوى للدخل المادي بدلًا من الإعلانات

وسائل بديلة يستخدمها صناع المحتوى للدخل المادي بدلًا من الإعلانات

إن الإعلانات هي أول وسيلة تخطر على بال صناع المحتوى عندما يفكّرون بمصادر الدخل الممكنة لهم، ذلك أنها الأقدم والأكثر شيوعًا. ولكن من الملاحظ أن الإعلانات لم تعد مصدر دخلٍ مربح للكثير من صناع المحتوى، فالأرباح صارت أقل من السابق بسبب كثافة المحتوى المتوفر وكثرة المنافسين، بالإضافة إلى عوامل أخرى أدت إلى تناقص تدريجي لهذه الأرباح.

وفقًا للإحصائيات الصادرة عن مركز Pew للأبحاث والدراسات، فإن 39% من أرباح الصحف الأمريكية قادمة من أرباح الإعلانات الرقمية، وهو ما يعني أن نحو 60% من أرباح هذه الصحف قادمة من وسائل أخرى.

أليست الإعلانات مربحة لمواقع المحتوى؟

إن أرباح الإعلانات تختلف اختلافًا كبيرًا باختلاف نوعية المحتوى، وعدد الزوار، ومناطقهم الجغرافية، وعدد المشاهدات اليومي. يستعمل معظم صنّاع المحتوى برنامج جوجل أدسنس لوضع الإعلانات على مواقعهم والربح منها، ولكن من الملاحظ أن أرباح الإعلانات لم تعد كالسابق، وقد صار الكثير من صناع المحتوى يشتكون أن الإعلانات لا تكفي “لفتح بيت”.

أضف إلى ذلك أن عدد المستخدمين الذين يستخدمون برامج حجب الإعلانات (adblock) صار في تزايدٍ مستمر، وهو ما يعني أن هؤلاء المستخدمين لا يشاهدون أي إعلانات عند فتحهم للمحتوى، وبالتالي لا يُدخلون أي ربح لمنشئي المحتوى.

تدفع كل هذه العوامل صنّاع المحتوى للبحث عن وسائل بديلة للإعلانات لتحقيق الربح المادي من أتعابهم، وهو ما سنستعرضه في هذا المقال.

وسائل بديلة لتحقيق الدخل المادي

بيع المنتجات الرقمية

يمكن لأي موقع محتوى يمتلك تدفقًا جيًدا من الزوّار (Traffic) أن يتحول إلى بيع المنتجات الرقمية بدلًا من الإعلانات. وتختلف طبيعة هذه المنتجات باختلاف نوع المحتوى والموقع، ولكن يمكنها أن تشمل:

  • كتب مدفوعة يمكن تحميلها، تشرح أهم أساسيات المجال أو أمور متخصصة فيه.
  • دورات مدفوعة يمكن للمستخدمين الاشتراك فيها لمشاهدة مجموعة من الدروس المرئية حول نفس المجال.
  • برمجيات مدفوعة مرتبطة بنوعية المحتوى المقّدم على الموقع.
  • غير ذلك من المنتجات الرقمية.

لاحظ أن بيع المنتجات الرقمية لن يجلب الكثير من النفع إن لم تكن متخصصًا بشدة في مجالك؛ فلكي تتمكن من إنشاء دورة أو كتابة كتاب عن المجال، لا بد أن تكون متعمقًا فيه وتفهم بالضبط ما تريد أن تكتب عنه لزوّارك، وإلا وقعت في أخطاءٍ ومشاكل أنت في غنىً عنها.

أضف إلى ذلك أنك قد تحتاج بذل بعض الجهد في تنسيق وإعداد هذه المنتجات لأول مرة، ولكن بعد ذلك، ستصبح مصدر دخلٍ مستمر لك مع مرور الزمن كأي مصدر دخل سلبي (Passive Income)، فأنت مطالب بإنشاء المنتج الرقمي مرة واحدة فقط، ثم بيعه باستمرار لكل جمهورك.

بيع الاشتراكات المدفوعة

الاشتراكات المدفوعة من المصادر الإضافية لتحقيق الدخل كذلك. ونقصد هنا اشتراكات المحتوى المدفوع؛ فيمكنك مثلًا طلب التسجيل في موقعك قبل إتاحة أجزاء من المحتوى للزوّار وفق اشتراك معين يدفعه المستخدم شهريًا (5$ أو 10$ شهريًا مثلًا)، وهكذا تضمن الحصول على دخلٍ ثابت من مشروعك على حسب عدد المشتركين لديك.

يشبه ذلك ما تفعله منصة هارفرد بيزنس ريفيو بالعربية، حيث يطلبون مبلغًا معينًا لقاء اشتراكٍ يتيح للمشتركين الوصول إلى المئات من المقالات الإضافية حول مجال ريادة الأعمال، بالإضافة إلى محتويات مرئية وصوتية متوفرة فقط للمشتركين.

إن الاشتراكات المدفوعة وسيلة ربح جيدة، لأن أرباحها شبه مضمونة ومتوقعة بمجرد تسجيل المستخدمين لديك، فإن كان لديك 50 مشترك يدفعون 10$ شهريًا، فحينها يمكنك أن تضمن أنك ستحصل على نحو 500$ شهريًا من مشروعك، على عكس أرباح الإعلانات غير المتوقعة والتي تختلف كل شهر باختلاف عدد المشاهدات والنقرات.

لكن انتبه أن جمهورك قد لا يعجبه هذا الاشتراك المدفوع، لأنه لا يمكن ببساطة لأي صانع محتوى أن يتحول إلى نموذج الاشتراكات المدفوعة:

  • لن يدفع المستخدمون لقاء محتوىً يمكنهم الحصول عليه مجانًا في مكانٍ آخر بنفس الجودة، ولهذا لا بد أن تضمن أن المحتوى المدفوع الذي ستوفره عالي الجودة ولا يتوفر في مكانٍ آخر.
  • كما لا يحب المستخدمون الاشتراك في مواقع جديدة أو لم يمض على تأسيسها الكثير من الوقت، فهي منخفضة الثقة لديهم. ستحتاج عددًا كبيرًا من الزوار شهريًا قبل أن تتحول إلى نموذج الاشتراكات المدفوعة.
  • وأخيرًا يريد المستخدمون الحصول على محتوى متجدد لقاء اشتراكاتهم المدفوعة هذه، فمن غير المنطقي أن يبقى المستخدمون يدفعون لقاء نفس المحتوى الذي رأوه في الشهور الماضية والذي لديهم وصول إليه بالفعل، وبالتالي لا بد أن تكون على استعدادٍ لتوفير الكثير من المحتوى المتجدد لهم.

غالبًا ما يشترك الزوّار لأنهم يرون قيمة حقيقية في عروض المحتوى المتوفّرة، وأنها ستضيف إليهم قيمة مفيدة تنفعهم في مشوار حياتهم المهنية والاحترافية.

التسويق غير المباشر

ليس كل التسويق إعلاناتٍ فقط، بل هناك أنواع مختلفة من التسويق يستعملها أصحاب الشركات لتسويق منتجاتهم بشكلٍ طبيعي أكثر من الإعلانات والوحدات الإعلانية الشهيرة المعروفة.

من بينها ما يعرف بتدوينات الضيوف (Guest Blogging)، حيث ينشر أصحاب المنتج المُراد تسويقه مقالةً معينة على الموقع باسمهم ولكن يكون في هذه المقالة ترويج لهذا المنتج، إما بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. وعادةً ما يحصل أصحاب هذا الموقع على مقابلٍ مادي لقاء نشرهم لمثل هذه التدوينات.

ولا يقتصر الأمر على التدوينات، بل يمكن إضافة إعلان يدوي نصّي مثلًا في نهاية كل تدوينة عن أي منتج مُراد تسويقه بمقابل مادي يُتفق عليه، وهو ما يُعرف باسم محتوى الرعاة (Sponsorship Content)، مثل شعارات الشركات الراعية لمسابقةٍ ما أو ما شابه ذلك.

من الطرق الأخرى المعروفة هي الروابط الخلفية (Backlinks)، وهي ببساطة أي روابط تشير من مواقع وصفحات معينة إلى مواقع وصفحات أخرى. ترتفع قيمة وأهمية هذه الروابط كلما كان الموقع المُحيل أعلى ترتيبًا وأكثر أهميةً من الموقع المُحال إليه.

فمثلًا حصول موقع ويب ما على روابط من ويكيبيديا لا يقدّر بثمن، ذلك أن ترتيب وجودة موقع ويكيبيديا مرتفع جدًا وبالتالي تثق فيها محركات البحث أكثر فيما يتعلق بقيمة الروابط الصادرة عنها لمختلف مواقع الويب الأخرى على الشبكة.

يفيد هذا أصحاب المواقع بأنه سيرفع ترتيب مواقعهم في نتائج محركات البحث عندما يبحث الزوار عن كلمات مفتاحية معينة (Keywords)، وبالتالي يجلب لهم المزيد من الزوار ويحقق لهم المزيد من الأرباح. كلما ازدادت الروابط الخلفية القادمة إلى موقعٍ ما ازداد معها ترتيب الموقع في محركات البحث وبالتالي عدد الزيارات.

يبحث أصحاب المواقع باستمرار عن مواقع عالية الجودة مرتبطة بمجالهم لشراء الروابط الخلفية منها. صحيحٌ أن جوجل تحذّر من شراء الروابط الخلفية دون تعليمها بوسم nofollow أو sponsored للإبلاغ عن عملية الشراء والتقابض هذه، لكن ما يزال الكثير من المسوّقين الإلكترونيين يقومون بهذه الممارسة، وتكون قيمة الباكلينك الواحد كمتوسط 300$ وفق عدة مصادر على حسب جودة وقوّة اسم الموقع.

إن عملية بيع الروابط الخلفية ليست عملية طبيعية ويجب ألا تُستخدم بكثرة، كما يجب استخدامها كمصدر دخل فقط بعد حصول الموقع على ثقةٍ جيدة من محركات البحث، وهذا لتجنب معاقبتها وتصنيفها كمواقع سبام وبالتالي ينخفض ترتيبها على الكلمات المفتاحية بشدة. يجب أن تتجنب أيضًا وضع الروابط لأي مشتري؛ بل تضعها فقط للمواقع الشبيهة بمواقعك والتي توفر أيضًا محتوىً حقيقيًا وعالي الجودة.

لكن إن كان موقعك قد تخطى هذا الحاجز بالفعل، فربما تستعمل هذا الأسلوب كمصدر دخلٍ إضافي جيد لتحقيق بعض الأرباح كل شهر. يمكنك بيع هذه الروابط على مواقع الخدمات المصغّرة أو غيرها من المنصّات المتخصصة في ذلك.

التسويق بالعمولة

التسويق بالعمولة ببساطة هو عملية التسويق لمنتجات مرتبطة بموقعك الإلكتروني لقاء نسبة من أرباح هذه المنتجات. فإذا كانت تلك النسبة هي مثلًا 5% وكان المنتج سعره 100$، فستحصل على 5$ مقابل كل شخص يشتري المنتج عن طريقك.

وتُتعقّب عمليات الشراء من طرف كل موقع بناءً على رابط شراء يحوي وسم التعقّب (Tracking Tag) الخاص به، وبالتالي سيعرف عدد المشترين القادمين من عنده.

يمكن لصنّاع المحتوى كسب المال عبر الترويج لمنتجات مرتبطة بالمجالات التي يتحدثون عنها على مواقعهم عبر استخدام عدة منصات مثل أمازون أفلييت وClickBank وغيرها من منصات التسويق بالعمولة المتوفرة.

لكن لاحظ أيضًا – كما في الطرق السابقة – أنك ستحتاج بناء جمهورٍ كبير جدًا من المتابعين قبل أن تحقق ربحًا معتبرًا من التسويق بالعمولة، لأنه غالبًا ما تكون نسبة الشراء أقل من 1% من عدد المتابعين، وبالتالي لا بد أن يكون عدد المتابعين كبيرًا لتحقق ربحًا يسمح لك بالاستمرار.

إن التسويق بالعمولة يعتمد بشدة على عامل الثقة؛ ذلك أن المتابعين لن يشتروا منتجًا بسبب توصيتك لهم به إلا إن كانوا يثقون بك، وهذه الثقة لا تأتي بين يوم وليلة بل عبر النشر المستمر والعالي الجودة.

إعلانات لكن بطريقة أخرى

هناك أنماط وأشكال مختلفة للإعلانات، فلم تعد الإعلانات فقط البنرات الإعلانية التي تراها في مواقع الإنترنت.

من بينها نذكر:

  • كتابة أو تصوير مراجعات مدفوعة لمنتجات مرتبطة بمجالك مقابل مبلغ متفق عليه مع الشركة صاحبة المنتج. مثلًا تقول لهم مقابل 200$ سننشر مقالة عن منتجكم على موقعنا… إلخ، ويكون الدفع مرة واحدة بمجرد نشر المقال.
  • وضع نص في نهاية بعض المقالات مع رابط إلى موقع المنتج المُراد الترويج له، فإذا كنت نشرت مقالًا مثلًا عن “أجهزة تكييف سامسونج” ونجحت في التصدّر على تلك الكلمة المفتاحية في مربع البحث، فربما تكون هناك أكثر من شركة مهتمة بالإشارة إليها في نهاية هذا المقال (شركات تصليح، شركات قطع غيار، شركات أخرى… إلخ).
  • إن كان المحتوى الذي تصنعه محتوى مرئي (فيديوهات يوتيوب مثلًا)، فيمكنك التعاقد مع أحد المعلنين لوضع إعلانه في بداية ونهاية فيديوهاتك مقابل مبلغ مادي على كل فيديو. ينطبق نفس الأمر على البودكاست كذلك.

من المهم كذلك أن تضع فكرة التسويق بعين الاعتبار؛ فالشركات التي قد تكون مهتمة بك وبجمهورك قد لا يكون لها علم بوجود مشروعك أو موقعك، وبالتالي لا بد أن تتواصل أنت معهم أحيانًا وتبحث عن المعلنين المحتملين وليس العكس.

خاتمة

إن وسائل تحقيق الدخل المادي من المحتوى لم تعد حكرًا على الإعلانات التقليدية، بل صارت هناك الكثير من الوسائل الجديدة الأخرى التي تسمح لصنّاع المحتوى بدفع نفقاتهم دون اللجوء إلى الإعلانات المزعجة.

إلا أن هذه الوسائل غالبًا ما تتطلب وقتًا وجهدًا للتنفيذ والإعداد، على عكس الإعلانات التلقائية التي يمكن ببساطة وضعها في أي صفحة محتوى والربح منها، ولكن دعنا لا ننسى أن العائد من الاثنين ليس نفسه، وأن الانتقال إلى المرحلة الأعلى في استمرارية المشروع لا بد أن يعتمد على أكثر من مصدر دخل وليس مصدر واحد فقط.

الوسوم