مقالات

هوس الشبكات الاجتماعية يؤثر عليك أكثر مما تتوقع

استخدام شبكات التواصل الاجتماعي أصبح أمراً شائعاً بين الناس، خصوصاً عندما نعلم أن كبرى شبكات التواصل الاجتماعية تمتلك أعداد هائلة من المستخدمين، فيسبوك تملك أكثر من 2 مليار مستخدم نشط، واتسآب لديها أكثر من مليار ونصف المليار مستخدم، وإنستقرام تجاوز عدد مستخدميها مليار مستخدم فاعل، والشبكات الاجتماعية الأخرى منها تويتر وجوجل بلس تضم مئات الملايين من المستخدمين النشطين شهرياً.

مع كل هذه الأعداد الضخمة من المستخدمين هناك العديد من التساؤلات تطرح نفسها، هل جمع هذا العدد الهائل من المستخدمين في مكان واحد سيساهم في سعادتهم وتسهيل مسافات التواصل فيما بينهم؟

وهل أصبح الاشتراك في شبكات التواصل الاجتماعي أمراً ضرورياً؟

وكيف يمكن لهذه الشبكات أن تضيع وقتك في أشياء قد لا تحتاجها؟

ربما ستساعدنا الإجابة عن هذه التساؤلات في التعامل بشكل آخر أكثر إيجابية مع شبكات التواصل الاجتماعي.

هوس التواصل الاجتماعي

أحد أهم الأسباب التي تجذب الأشخاص للدخول في عالم الشبكات الاجتماعية الافتراضية هي أنها مجانية تماماً، فمعظمها تتيح استخدام جميع خدماتها بشكل مجاني.

صحيح أن بعض المميزات غير مجانية وتتطلب الدفع من أجل الحصول عليها إلا أنها بالغالب غير أساسية ويمكن الاستغناء عنها دون الشعور بالحاجة لها من غالبية المستخدمين، بالإضافة لذلك فتطبيقات التواصل الاجتماعي سهلة الاستخدام ويمكن لأي شخص أن يتعامل معها ببضع تعليمات.

الأمر الآخر الذي يجعل الناس تتهافت على شبكات التواصل الاجتماعي هو المحتوى المتجدد باستمرار، فالملايين من الحسابات والصفحات تشارك المحتوى بشكل لحظي، منها الأخبار السياسية، وأخبار الفنانين والممثلين، وأخبار الرياضة والمباريات واللاعبين وغيرها، حتى أصبحت هذه الشبكات من أهم مصادر الأخبار والمستجدات لمعظم الناس.

ومع كثرة الاستخدام قد ينفصل الشخص عن واقعه الحقيقي ويدخل في مرحلة الإدمان، حتى إذا كنت من الأشخاص الذين يبتعدون عن هذه الشبكات ويرونها مضيعة للوقت فقد تواجهك صعوبات من نوع آخر، فأصدقائك بكل تأكيد ستجد من بينهم ممن يستخدمها بشكل أساسي، ليس هذا فحسب بل أن معظم الشركات اصبحت تعتمد على الشبكات الاجتماعية للتواصل مع عملائها وموظفيها، مما قد يجبرك على الانخراط فيها بشكل أو بآخر حتى وإن كنت ممن لا يؤيدونها.

لا يمكن حصر استخدامات هذه الشبكات في الحياة من حولنا والتي تقود في نهاية المطاف إلى جذب المستخدمين إليها.

تفاصيل حياتنا اليومية على الشبكات الاجتماعية

من الجميل مشاركة لحظاتنا السعيدة مع الآخرين، لكن أن يتحول الأمر إلى مشاركة لكل شيء يحصل في حياتنا فقد يتحول إلى شيء مزعج، فبعض المستخدمين يقوم بمشاركة أبسط الأمور في حياتهم حتى وقد يصل الأمر لمشاركة احتساء كوب اعتيادي من القهوة!

سيؤدي تكرار هذا الأمر إلى حالة من عدم الشعور بالمتعة وبلذة اللحظة إلا عندما نشاركها على الشبكة العنكبوتية، وقد يتحول السبب الرئيسية لقيامنا بأفعال ممتعة هو مشاركته مع الآخرين.

والأسوأ من مشاركة جميع تفاصيل الحياة الاعتيادية هو توثيق ونشر الأنشطة الخيرية، فبدلاً أن يصبح عمل الخير مخفياً ويحقق الهدف والذي حث عليه ديننا الحنيف كما في الحديث الشريف “ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه”، ستجد من يتسابق على نشر الصور للنشاطات الخيرية بحثاً عن الشهرة.

بكل تأكيد هي حرية شخصية مكفولة لجميع الأشخاص، ولا يمكن لأحد أن يملي على الآخرين ما يفعلونه وما لا يفعلونه، ولكن يجب إعادة النظر في معنى مفهوم التواصل الاجتماعي.

هوس البحث عن الشهرة قد يجعلك تفعل أي شيء

عند التعامل مع الشبكات الاجتماعية فإن مرحلة الإدمان عليها شيء ومرحلة هوس الشهرة شيء آخر، فالعديد من المستخدمين يتمنون ويسعون لأن يكون لديهم آلاف المتابعين.

البحث عن الشهرة قد يجعل المستخدم يفعل أي شيء، منها نشر أخبار زائفة دون التأكد من صحتها أو حتى ذكر مصادرها، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج عكسية كبث الرعب في أوساط الناس أو نشر معلومات خاطئة وما إلى ذلك.

وكذلك نشر المحتوى الغير مألوف أو المخالف لعادات وثقافات المجتمع، وذلك من أجل لفت الأنظار وزيادة متابعيهم، وهو ما نشهده بشكل متكرر في بعض المحتوى أو المواهب الغير جيدة، والذي ينتشر بين الفينة والأخرى.

وقد يحدث أن يتم التعدي على خصوصيات الآخرين، والمفارقة أن من يقوم بهذه الأشياء يحصل على الشهرة غالباً وهو أمر محير فعلاً، وقد يدعمهم بعض المستخدمين الآخرين بمشاركتها دون وعي أحياناً للتحذير منها أو الاستهزاء بها وذلك يساهم بشكل غير مباشر في زيادة انتشارها.

 

 

صور ومشاهد تسببت في حوادث وكوارث

التقاط صور السيلفي أصبح إحدى العادات اليومية في كل مكان، لكن ماذا إذا كان نشر تلك الصور سيجلب الكثير من المتاعب لأصحابها، فهوس التقاط الصور ومشاركتها قد يجعلك تقوم بأشياء مجنونة.

عندما قام شاب بالتسلل إلى برج مركز التجارة العالمي من أجل التقاط صورة سيلفي من أعلى البرج لمشاركتها مع أصدقاءه، تم إلقاء القبض عليه بتهمة التعدي على الممتلكات وكما تسبب في توقيف الحارس عن عمله لأنه لم يلحظه وكان مهملاً في عمله.

من الحوادث الغريبة أيضاً قيام مغنية مشهورة بأخذ صورة سيلفي مع حيوان الليمور وهو على كتفها في إحدى المحميات في تايلاند، هذه الصورة أدت إلى تعرض الفنانة للمساءلة القانونية فالمحمية تمنع الاقتراب من الحيوانات فيها.

ولا تقتصر حوادث التقاط صور السيلفي على الاعتقال والمساءلة، فبعضها تسبب في حوادث أدت إلى الوفاة، وهو ما حدث مع إحدى السائحات في إسبانيا عندما كانت تلتقط صورة سيلفي من على أحد الجسور الشهيرة، لكنها لم تنتبه لخطواتها وسقطت من أعلى الجسر وفارقت الحياة بعد ذلك.

هل أصبح مشاركة صورنا ضرورة لنشعر بالسعادة؟

معظم الأشخاص يلتقطون الصور أثناء عيش لحظاتهم الجميلة ويشاركونها عبر الشبكات الاجتماعية، حتى أن بعضهم لا يستمتع بتلك اللحظات بدون مشاركتها.

لسنا ضد مشاركة لحظاتك الجميلة على الإطلاق ولكن دعنا نضع بعض الأسئلة، هل سيشعر الشخص بسعادة أقل إذا لم يقم بمشاركة تلك الصور؟ لماذا ينصب جزء كبير من التركيز على التقاط الصور أثناء اللحظات الممتعة؟ بدلاً من عيش تلك اللحظات والاستمتاع بها بأفضل طريقة ممكنة.

في شبكة إنستقرام يتم مشاركة 93 مليون صورة سيلفي بشكل يومي، وارتباطنا بمواقع التواصل الاجتماعي أصبح ارتباطاً قوياً، ونجد صعوبة في الفصل بينها وبين عالمنا الحقيقي، وكلما حاولنا التركيز في حياتنا وعملنا ولحظاتنا تأتي الإشعارات على الهاتف لتجذبنا مرة أخرى نحو هذه الشبكات.

فالبال قد ينشغل بما يحدث أو سيحدث في مواقع التواصل الاجتماعي أكثر من انشغاله بما يحدث في البيئة المحيطة به.

الدراسات والأبحاث حول تأثيرات شبكات التواصل الاجتماعي

لطالما أثار هوس استخدام شبكات التواصل الاجتماعية اهتمام الباحثين الاجتماعيين، فعدد كبير من الدراسات التي قام بها باحثون في علم الاجتماع من مختلف أنحاء العالم والتي تبحث حول تأثير شبكات التواصل الاجتماعي على حياتنا.

أجريت العديد من الأبحاث حول مدى تأثير الشبكات الاجتماعية على حياة الأشخاص والتي تتوصل العديد منها إلى أن إدمان وسائل التكنولوجيا يشبه إلى حد كبير إدمان الكحول والتدخين، كما أن استخدامها لفترات طويلة يقلل مستوى السعادة التي يشعر بها الشخص وتتسبب بالكثير من الأضرار المباشرة على حياة الأشخاص.

معظم المستخدمين يعانون من مشكلة في مقاومة قوة جاذبية الشبكات الاجتماعية، حيث خلصت عدة دراسات إلى وجود علاقة مباشرة بين استخدام الشبكات الاجتماعية ومشاكل مثل التوتر والشعور بالقلق والاكتئاب، كما أن استخدامها قبل النوم بالتحديد يتسبب بالأرق واضطرابات أثناء النوم.

هل سنقاطع شبكات التواصل الاجتماعية؟

بالتأكيد لا، فلا يمكن مقاطعة شبكات التواصل الاجتماعي والتوقف عنها بشكل كلي، بل أن هذه الشبكات قد تكون الملاذ المفضل للكثيرين، خصوصاً الأشخاص الانطوائيين ممن يستخدمونها لتعويض قلة تواصلهم مع المجتمع.

كما أن لها فوائد كبيرة في نشر الأعمال التطوعية وحملات التوعية في المجتمع، ولا ننسى أنها تساعد في التعرف على الأصدقاء والمجموعات التي تتشارك نفس الاهتمامات، وتبادل الأفكار والاطلاع على الثقافات الأخرى حول العالم.

مع كل ذلك فقد أطلقت حملات عديدة لمقاطعة شبكات التواصل الاجتماعية، وتبنت هذه الحملات جمعيات وشخصيات شهيرة منهم مؤسس شركة تسلا موتورز – إيلون ماسك حيث دعا بشكل صريح لمقاطعة شبكة فيسبوك.

وكذلك الجمعية الملكية للصحة في بريطانيا شجعت على التقليل وحتى مقاطعة الشبكات الاجتماعية خلال شهر سبتمبر الماضي، ووضحت الجمعية أن المقاطعة فرصة للتفكير بالأشياء التي يمكن القيام بها بدلاً من استخدام الشبكات الافتراضية.

الخلاصة

سواء كنت أحد مدمني مواقع التواصل الاجتماعي أو ممن يدعم حملات المقاطعة، تبقى هذه الشبكات موجودة حولنا ويعتمد عليها الكثير من الناس للترفيه والتجارة وإنجاز أعمالهم، ويعتبرها الكثيرون الملاذ الأفضل بعيداً عن سلبية المجتمع في العالم الحقيقي، لكن يجب أن يكون استخدامنا لها متوازن مع وعي بكامل الأضرار التي قد تسببها على المدى الطويل.

بقلم علاء السيد




الوسوم