التقاريرمقالات

مهمة البحث عن الأب الروحي للإنترنت – الجزء الثاني

مهمة البحث عن الأب الروحي للإنترنت – الجزء الثاني

بعد أن أخذنا جولة سريعة في الجذور الأولى التي مهدت لإنشاء أول شبكة سلكية بين حواسيب رقمية، نواصل اليوم المشوار ونبحر أكثر حتى نصل إلى ستينيات القرن الماضي، حين بدأت تتشكل ملامح أول شبكة حواسيب، والتي تم إنشاءها على يد أحد رواد الانترنت، لقد كانت شبكة “أربانت” التي أطلقتها وكالة مشاريع البحوث المتطورة الأمريكية.

نكمل هذه السلسلة ونستعرض في هذا التقرير 3 رواد ساهموا في ظهور أول شبكة حواسيب، ونقف عند حقبة الستينيات التي تشكلت فيها الرؤية واتضحت المعالم الأولية لآلية ربط الحواسيب المتباعدة، والذي هو أساس مفهوم الانترنت اليوم.

(4)
فينفر بوش
(1890 – 1974)

في عام 1945، كتب “فينفر” ورقة بحثية بعنوان “As We May Think” وصف فيها جهاز مستقبلي يدعى ميمكس “memex”، يقوم هذا الجهاز بأرشفة الكتب والمخطوطات المخزنة عبر المايكروفيلم، وإمكانية البحث والاسترجاع وغيرها من الخصائص التي تهدف لـتسهيل الوصول للمعلومة.

العبارة الأخيرة هي المغزى من الانترنت اليوم، والجهاز الذي فكر فيه فينفر يمكن أن نعتبره اليوم موقعاً رقمياً على فضاء الانترنت أو محرك بحث -مثل قوقل- يسهل وصولنا للمحتوى المراد أو المعلومة التي نطلبها، كما أن الورقة البحثية قد لفتت الانظار لما تم تسميته فيما بعد بـ “النص التشعبي“.

لقد كانت مسيرة “فينفر” حافلة بالإنجازات، فقد بدأ مسيرته الأكاديمية والعلمية في مجال الرياضيات والهندسة الكهربائية، اخترع عدة أجهزة وتولى عدة مناصب خلال حياته، ومن ثم انخرط مع صناع القرار السياسي في أميريكا وخاصة خلال الحرب العالمية الثانية، فقد كان المستشار العلمي للرئيسي الأمريكي آن ذاك، وقبلها تولى منصب رئيس “لجنة أبحاث الدفاع الوطني (NDRC)” في 1938.

اخترع -مع آخرين- جهاز يدعى “S-tube” والذي سمح لأجهزة الرادار بالعمل عبر مصدر الطاقة العمومي، وقد أسسوا شركة لتسويق لذلك الجهاز، ومن ثم حققت له ولبقية المساهمين ثروة جيدة، الآن هذه الشركة تعرف باسم رايثيون “Raytheon” وهي أحد الشركات الأمريكية الكبيرة في صناعة أنظمة الحرب والدفاع.

يشار لـ”فينفر” على أنه شخص سهل بناء علاقة بين الحكومات الأمريكية ومجتمع العلماء وقطاع الأعمال، وهذا أدى لأن تتبنى الحكومة الأمريكية تطوير الأبحاث والمشاريع التقنية في بداياتها وتزويدها بالمال اللازم، وقد أدى ذلك لظهور مؤسسات أمريكية مثل: مؤسسة العلوم الوطنية، وأيضاً مؤسسة “ARPA” التي أنشأت أول شبكة انترنت في العالم: ARPANET.

لا يعد “فينفر بوش” ممن كان لهم تأثير مباشر على ظهور الانترنت، لكن أبحاثه وإنجازاته سهلت الوصول لما نحن فيه، فقد  استفاد العلماء فيما بعد من مجهوداته -ومجهودات آخرين-، فكان الأمر كمثل تركيب قطع البازل، قطعة من هنا وقطعة من هناك حتى تكونت شبكة الانترنت، ومن ثم الشبكة العنكبوتية العالمية (WWW)، والتي بسببها أنت تتصفح المواقع وتشاهد الفيديوهات في اليوتيوب.

(5)
يوسف ليكلايدر
(1915 – 1990)

لقد دخلنا عصر التقنية الذي نحن فيه من باب التسابق العسكري والصراع بين الدول، ولكي نضع أيدينا على أول الخيط، سنعود بالزمن لسنة 1957 حين أطلق الإتحاد السوفيتي أول قمر صناعي يسبح في الفضاء، لقد كان “سبوتنك-1” مما أدى بالولايات المتحدة -في العام التالي- لإنشاء “وكالة مشاريع البحوث المتطورة” أو ما كان يختصر بـ “ARPA“، ثم انشأت الوكالة أول شبكة حواسيب في العالم سميت بـ “ARPAnet”، فيما كان الملهم الأول والمدبر لهذا الحدث التاريخي هو شخص يدعى “يوسف لكلايدر”.

تولى “ليكلايدر” مكتب “تقنيات معالجة المعلومات” في “ARPA” سنة 1962، وفي تلك الفترة كان مشغولاً بفكرة ربط الحواسيب ببعضها واتصالها رغم انفصالها جغرافياً، فكتب عدة مذكرات حول هذا الأمر كانت الأولى من نوعها، ومهدت الطريق لما سيعرف لاحقاً بـ “Computer Network”، فلقد تحدث في مذكراته عن المفهوم الذي سماه بـ “Intergalactic Computer Network“، والذي هو مشابه لما نعرفه اليوم بـ”الانترنت” وقد غطى في ورقاته البحثية عدة مواضيع نعيشها اليوم، بما فيها “الحوسبة السحابية”.

لكن وعلى الرغم من ذلك، إلا أن “ليكلايدر” لم يقم ببناء الشبكة الأولى التي سميت “أربانت” وربطت عدة مراكز بحثية وجامعات أمريكية فيما بعد، فقد غادر “ليكلايدر” الوكالة في 1964 لكن أفكاره عاشت وأتى من يطبقها على أرض الواقع، لقد كان شخص يدعى “Larry Roberts” الذي تولى إنشاء الشبكة فيما بعد.

لا تقتصر أفكار “ليكلايدر” في مسألة اتصال الحواسيب فقط، بل كانت لديه رؤية طموحة لما يمكن أن تكون عليه المكتبات الحديثة، حيث نشر في 1965 كتاب يحمل اسم “مكتبات المستقبل” (يمكن قراءة نسخة منه عبر هذا الرابط) حيث وصف فيه شكل المكتبة الحديثة التي تعتمد على تخزين المحتوى رقمياً وتعطي سهولة الوصول للمعلومة لأي مستخدم، أيضاً كانت له رؤية فيما يتعلق بالعمل الجماعي أو التعاوني عن بعد، وغيرها من الأفكار.

لقد انتقل “ليكلايدر” من فضاء علم النفس -تخصصه الأصلي- إلى فضاء التقنية والحوسبة، لذلك فقد كان تأثيره الفكري أكبر من تأثيره العملي في هذا المجال، ومات -رحمه الله- عام 1990 دون أن تسنح له الفرصة بأن يعيش -عملياً- التأثير الكبير الذي أحدتثه وتحدثه الشبكات والانترنت في حياة البشرية اليوم.

(6)
لورنس روبرتس
(1937 – الآن)

تم إنشاء شبكة الأربانت “ARPAnet” في بداية الأمر للاستفادة من أجهزة الحواسيب العملاقة التي كانت منتشرة في مراكز بحثية وجامعات أمريكية، لم يكن الهدف الأول هو التواصل، بل توزيع مهام معالجة البيانات بين تلك الحواسيب عبر ربطها بشبكة واحدة، أما من قاد تطوير تلك الشبكة الوليدة فقد كان “لورناس روبرتس”.

“لورناس” هو مهندس وعالم حاسوب ورائد أعمال أمريكي لعب دوراً أساسياً في تطوير شبكات الحواسيب، من خلال إشرافه المُباشر على إنشاء شبكة الأربانت، الشبكة التي سبقت ومهدت لظهور الإنترنت. خلال حياته؛ تمّ تكريمه بالعديد من الجوائز أهمُها جائزة “داربر” وهي أرفع تكريم هندسي في الولايات المتحدة، وجائزة “أمير أستورياس”، وهي أعلى تكريم رسمي في إسبانيا. (المصدر: ويكيبيديا).

تم توضيف “لورناس” في وكالة مشاريع البحوث المتطورة عام 1967، وكُلف ببناء الشبكة الحاسوبية “أربانِت”، وفي العام ذاته التقى بأحد أعضاء فريق “دونالد ديفيس” البريطاني (والذي تحدثنا عنه في الجزء السابق من هذه السلسلة)، فأخبره بفكرة “تبديل الرزم” فاقتنع بها “لورناس” وتم تطبيقها في شبكة الأربانت والتي ظهرت للنور عام 1969م، ولقد استمر “لورناس” في الوكالة حتى 1973 حين خرج منها ليتلحق بشركة “Telenet” التي ساهمت في نقل الشبكات لعموم المستخدمين.

عمل “لورانس” في شركة “تيلي نيت” حتى عام 1980، أما الشركة فقد كانت الأولى في تقديم خدمة الشبكات بشكل تجاري لمن يطلبها، وبذلك تدخل الشبكات مرحلة جديدة وتقترب صورة الانترنت الذي نعرفه اليوم للتشكل، ولقد تنقل “لورناس” بعد ذلك بين عدة مناصب في عدة شركات متعلقة بنفس المجال.

لازال “لورانس” حيٌ يرزق حتى كتابة هذه الكلمات، ولديه موقع إلكتروني، حيث يعتبر أحد وارد الإنترنت الأصليين الذين كانت لهم يد فعلية في بناء أول شبكة انترنت في العالم “أربانت”، والتي تطورت ونمت ثم توسع الأمر وليشترك العالم كله في شبكة واحدة وتحت مظلة واسعة.

وهكذا نصل إلى نهاية هذا الجزء، وفي الجزء القادم -ان شاء الله- ننتقل إلى حقبة أخرى ومرحلة من مراحل عمر شبكة الانترنت.




الوسوم