مقالات

خطوات عملية لإعادة الحياة للمحتوى الرقمي المدفون

خطوات عملية لإعادة الحياة للمحتوى الرقمي المدفون

هنالك معضلة حاصلة في العالم الرقمي، عرضناها بشيء من التفصيل في مقالة سابقة، وهي أن المحتوى الرقمي في شبكة الانترنت يتوسع بشكل كبير جداً، فقد اخترع الإنسان “وسط” يمكن تشبيهه بحوض كبير مستدير يجتمع حوله جميع أبناء البشر -ممن لديهم اتصالاً بالانترنت- ويُسمَح فيه لأي شخص بأن يطرح ما لديه كي يستكشفه الآخرون ويستفيدوا منه.

لكن المشكلة أن هذا الحوض (الإنترنت) كبير جداً بحيث يصبح من الصعب إيجاد المراد فيه بسهولة، صحيح أن الإنسان قد اخترع أيضاً وسيلة جيدة تساعدة للوصول لما يريد هي “محركات البحث”، لكن هنالك مشاكل عند استخدام هذه الوسيلة -عرضناها في المقالة السابقة- أما هنا فسنحاول التطرق لبعض الخطوات العملية التي تساهم في الحل.

1. تفعيل النص التشعيبي من جديد

قد أخبرك أن أحد الحلول لهذه المشكلة موجود في مقالة سابقة تتحدث عن إعادة تدوير المحتوى الرقمي، لكن الحل الحقيقي هو في ذكري للرابط ذاته، نعم، الحل بكل بساطة هو في تفعيل النص التشعبي، تلك الميزة الأصلية التي انطلق بها الويب منذ بدايته، ثم ما لبثت أن أُهملت وتم تجاهلها من قبل الكثير من صُنّاع المحتوى.

دعني أوضح الأمر؛ عندما أذكر لك رابط مقالة قديمة -متعلقة بالموضوع- في جسم هذه المقالة، فأنا أساهم في إحياء ذلك المحتوى القديم ودعمه بدفعة جديدة من القراء، وعندما يضع ناشر الفيديو بعض الروابط لمصادر أو فيديوهات أخرى متعلقة بنفس الموضوع، في منطقة الوصف (تحت الفيديو) فهو يساهم في إحياء محتوى آخر ربما أصبح في غيبوبة رقمية.

من العادات الصحية أن يساهم المدون أو صانع المحتوى -أياً كان نوعه- في إعادة الحياة لإنتاجه القديم، سواءً عبر “البنرات” الجانبية للمقالات المميزة، أو عبر أدلة تجميعية لما تم نشره سابقاً، أو حتى عبر ذكر الروابط في المحتوى الجديد لما هو قديم، ولا يقتصر الأمر على المحتوى المقدم من نفس المصدر، بل الأصل أن يتم ذكر الروابط الجيدة والمفيدة أياً كان مصدرها أو كاتبها.

2. المشاركة ثم المشارك

الشبكات الاجتماعية تعتبر وسيلة فعالة لإحياء المحتوى القديم، ودعني أذكر لك مثالاً واقعياً هنا، فقبل أكثر من سنة ساقتني الأقدار لقراءة تدوينة ثرية بالفائدة، وقد نقرت على زر المشاركة ونشرتها في حسابي في تويتر، ورغم أن حسابي ليس فيه سوى القليل من المتابعين، إلا أن تلك التغريدة -على غير العادة- قد لاقت انتشاراً وتفاعلاً جيداً، وقد ساهمت في وصول مئات من المهتمين إلى ذلك المحتوى القيّم.

العبرة ليست في التفاعل مع التغريدة، بل في أن المقالة كانت قديمة، كتبها الأخ أحمد عجمي قبل سنوات في موقع “أكتب”؛ خدمة النشر المجانية التي طورها وأطلقها بنفسه، ثم قرر بعد سنوات أن يغلق الموقع، فجاء أحد المهتمين واشترى الموقع وأعاد فتحه، ثم بالصدفة وقعت أنا على تلك المقالة وقرأتها وأعجبت بها ثم نشرتها في حسابي في تويتر، وهكذا وبعد أن غادرت تلك المقالة الحياة -بسبب غلق الموقع- ثم عادت إليها، هاهي تتلقى دفعة جديدة من القرّاء بسبب تغريدة على هامش الطريق.

تجربة أخرى مررت بها قبل أشهر، فبعد أن نشرت الدليل المطول والخطة الشاملة لتعلم الإنجليزية، تفاجأت في أحد الأيام وبعد عدة أشهر من النشر، وإذا بالموقع يضج من عدد الزوار الغير متوقعين، حدثت طفرة وصعود مفاجئ في الإحصائيات، وحين تحققت من مصدر تلك الزيارات وجدتها قادمة من تويتر، فعلمت أن أحد مشاهير تويتر قد نشر رابط الصفحة فحققت التغريدة انتشاراً واسعاً وجلبت آلاف الأشخاص في أيام قليلة.

إذاً؛ نشر الروابط في الشبكات الاجتماعية هي عادة صحية، وخاصة تلك التي تؤدي إلى محتوىً ذو قيمة عالية وفائدة كبيرة، مهما كان عمره، فالمحتوى الجيد لا يموت، بل يبقى لينتفع به كل من يصل إليه.

3. إعادة استكشاف المحتوى

يمكن أن نقسم عملية إنتاج ونشر المحتوى الرقمي إلى قسمين: المحتوى الجديد، والمحتوى الذي يعيد استكشاف القديم، لكن كيف ذلك؟ دعني أوضح الأمر عبر هذا المثال:

هنالك الكثير من المواقع التي تقدم صور منزوعة الحقوق يمكن استخدامها بحرية وبدون مشاكل، لكن الكثير من تلك المواقع غير معروف وخاصة للمستخدم العربي، قد يريد مثلاً صور لنشرها مع تغريداته أو حكاياته التي يبثها عبر فيسبوك أو المدونة، ومن أجل تسهيل المهمة، قمنا قبل عدة سنوات بنشر تقرير مطول يضم معظم تلك المواقع ليكون دليل لكل من يريد الوصول إلى ذلك المحتوى المجاني المصور.

لقد قمنا فعلياً بنشر محتوى يعيد استكشاف محتوىً آخر، ليس إضافة جديدة بقدر ماهو دلالة لما هو موجود بالفعل، كذلك يفعل الأخ عبدالعزيز الحمادي عبر حسابه في تويتر وموقعه المتخصص في عرض تطبيقات ومواقع الويب المفيدة، كذلك أقوم أنا عبر مدونة متخصصة بعرض المصادر والمحتوى المفيد لتعلم الإنجليزية، والكثير من الجهود التي تصب لتحقيق هذا الهدف.

ماهو موجود كثير، والمحتوى الذي تبحث عنه، أو الخدمة الرقمية التي تلبي احتياجك، في الغالب هي موجودة في مكان ما في هذا العالم الرقمي المترامي الأطراف، لذلك فنحن بحاجة لمن يعيدون استكشاف المحتوى الجيد، بحاجة للقوائم التي تشير إلى المصادر والخدمات المتخصصة، للتدوينات المكتوبة بحرفية عالية والناتجة عن بحث موسع وتجربة عملية، كي تستخلص لنا أفضل الموجود من وسط الركام الهائل للمحتوى والخدمات الرقمية المتعددة.

4. المحتوى الجيد يحتاج لمكانٍ لائق

جئت قبيل كتابتي لهذه الأسطر من أروقة وصفحات موقع مُزن؛ وهو موقع يقدم محتوى يهتم بتطوير العمل غير الربحي باستخدام التقنية، المحتوى كان مميز، والقالب الذي وُضِع فيه كان مميزاً أيضاً، ويعتبر هذا أحد أشكال تكريم المحتوى الرقمي.

التصميم والقالب والصور والتفاصيل الأخرى التي تعطي تجربة استخدام مميزة (مثل نوع الخط وحجم الأسطر …الخ) تساعد على إبقاء المحتوى حيٌ يرزق، لا يشعر القارئ أنه يقرأ مقالة كتبت قبل 5 أو 10 سنوات، وعلى الجانب الآخر، حتى لو كان المحتوى جديداً ومفيداً، لكنه موضوع في قالب سيء وأعمدة جانبية غير منسقة، فهذا يوحي بأنه أصبح مهملاً وأن صاحبه قد تخلى عنه منذ زمن.

5. جهود الشركات العملاقة

النقاط السابقة كانت خطوات يمكن للمستخدم العادي أو صانع المحتوى الرقمي أن يقوم بها بنفسه، لكن أيضاً هنالك جهود تقدمها شركات التقنية العملاقة مثل قوقل وفيسبوك وغيرها، تهدف هذه الجهود إلى إعادة إحياء المحتوى وتسهيل الوصول إلى ما يطلبه المستخدم حين يبحث أو يتصفح.

محرك البحث قوقل يزداد تطوراً وتحسيناً لنتائج بحثه، فهي رأس ماله وخدمته التي بها انطلق وبها عُرف، أما خوارزمياته التي تحدد ترتيب نتائج البحث، فهي تزداد ذكاءً ويستمر التحديث فيها شهر بعد شهر لضمان وصول أكثر المحتوى جودة وملاءمة إلى المراكز الأولى.

كذلك هو الوضع مع يوتيوب وفيسبوك وتويتر وغيرها من منصات النشر والتواصل، حيث يتم التركيز على خصائص البحث وتطويرها أكثر، حتى يسهل على المستخدم الوصول لما يريد والتنقيب عن المحتوى القديم “المدفون” بكل سهولة ويُسر.

ختاماً …

لإن كنا نتحدث عن هذه المشكلة ونحن لازلنا في 2018، فكيف سيكون الوضع في 2028 أو 2038؟ كيف سيكون الحال حين يتضاعف المحتوى أضعافاً كثيرة ويحتدم التنافس أكثر في إنتاج المحتوى الجيد الذي يتسابق على أحراز مراكز متقدمة في نتائج البحث؟ بالتأكيد ستظهر المزيد من الحلول، وتستمر الدراما الإنسانية والدائرة المغلقة بين ظهور المشاكل وإيجاد الحلول، حتى يأذن الله بأن يُسدَل الستار، لتبدأ القصة من جديد.




الوسوم