ماذا لو أن كل الخدمات والمنتجات خارج الحياة الرقمية قابلة للتقييم ؟

حَدَّثني عن أوبر وكريم والمرارة في حلقه، قال أنهم -أصحاب التكاسي- يدفعون ضرائب ورسوم بشكل دوري مقابل حصولهم على التصاريح للاستمرار في العمل، بينما أولئك لا يدفعون شيء من ذلك كله، هو غير ساخط عليهم أو على التقنية التي أوصلتهم لموقع المنافسة، لكنه يطلب العدل بين الجميع، يطلب أن يدفعوا للدولة ضرائب ومستحقات مثلهم، كي تصبح المنافسة عادلة.

كان كلام سائق التاكسي مقنعاً إلى حد بعيد، لكن حتى لو تم ذلك الأمر الذي سيؤدي إلى ارتفاع أسعار مشاوير أوبر وكريم، سيفضل المجتمع تلك الخدمات الرقمية على سيارات الأجرة العادية، فهنالك ميزة كبيرة وهامة لا تتعلق بسعر التوصيلة أو مستوى رفاهية السيارة، إنها خاصية بسيطة قد لا تعيرها اهتمام حين تصل إلى وجهتك، فبعد الوصول يفترض بك ان تقيم السائق والخدمة المقدمة منه (بالاختيار من نجمة إلى 5 نجوم)، قد تفعل ذلك وقد لا تفعل، فقد لا تكون مهتماً أن تعطي السائق ما يستحقه من تقييم، لكنك بالتأكيد ستكون أكثر اهتماماً عند طلب مشوار جديد، سوف يهمك معرفة معدل التقييم الذي حصل عليه، كي تعرف مسبقاً مستوى الخدمة ومستوى التعامل الذي ستحصل عليه.

إنها خاصية “التقييمات” هي التي تعدل كفة الميزان لصالح الخدمات الرقمية في كل مرة، مهما حاولت الخدمات التي تم سحب البساط عنها أن تقدم من ميزات وخصائص، فبدون خاصية التقييمات التراكمية لن تتمكن من المنافسة، فهي ما تصنع ما يمكن تسميته بالسمعة الرقمية، تلك التي يبنيها المنتج أو الخدمة طوبة فوق طوبة مع كل عملية شراء أو فرصة للتقديم.

لو أن الحلاق يمكن تقييمه ؟

تخيل أن هنالك جهازاً صغيراً بداخل كل تاكسي لا يمكن للسائق التحكم فيه أو التلاعب به، مخصص لترك تقييم بعد كل مشوار، تظهر فيه 5 أزرار مرتبة من 1 إلى 5، وعليك أن تضغط الزر المناسب بعد كل مشوار بناءً على جودة الخدمة ومستوى التعامل، تضغط على الزر الخامس لتعطي السائق العلامة الكاملة، أو أقل من ذلك إن كان هنالك شيء لم يعجبك، ثم يظهر معدل التقييم فوق كل سيارة تاكسي ليراه الواقف من بعيد، فيقرر هل يؤشر بيده لذلك التاكسي أم ينتظر من لديه تقييم افضل.

أعرف أنه أمر من الصعب تطبيقه، فكيف سيسمح السائق بعمل تقييم سلبي أمام عينيه، وكيف نضمن أن لا يقوم هو بالضغط على الأزرار بنفسه، وكيف وكيف وكيف، مشاكل يمكن للتقنية المساهمة في حلها مستقبلاً، لكن النتيجة ستكون عظيمة، حين يصبح كل شيء من حولنا قابل للتقييم.

تخيل أن الحلاق يمكن تقييمه، أو عامل الصيانة والسباكة وغيرهم من الحرفيين، أن كل مقدم خدمة أو منتج له واجهة رقمية، لايمكن تزويرها أو التلاعب بها، يقوم المجتمع بنفسه بتقييم تلك الخدمات بأي طريقة كانت، ستكون النتيجة أن تلك الخدمات ستتحسن مع الأيام، سيهتم من يقدمها بالجودة أكثر، سيكون الأمر ذو أهمية كبيرة لأنه يتعلق بمستقبل بقاء واستمرار تلك الخدمة، لأن التقييم يظهر للعملاء الجدد، وكل عميل سيختار من لديه تقييماً أفضل، والجميع سيتسابق من أجل إرضاء العميل وتقديم خدمات أكثر جودة.

لو أن خطيب الجمعة يمكن تقييمه

لو أن جموع المصلين قادرين على تقييم كل خطيب وكل خطبة جمعة، أن يكون لكل مسجد واجهة رقمية وأن يكون هنالك آلية لجمع تقييمات من حضروا الخطبة (فقط) وأخذ التغذية الراجعة (Feedback) منهم نهاية كل خطبة، ومن خلال تلك البيانات التراكمية يمكن لوزارة الأوقاف مكافأة أو معاقبة الخطباء، أو نقلهم وإعادة توزيعهم، أو لأي هدف آخر يهدف لتحسين خطب الجمعة بشكل عام.

قد تصحو الصباح في أحد أيام الجمعة، ثم تتصفح الواجهة الرقمية لمساجد حيك والأحياء المجاورة، تشاهد التقييمات العامة للخطباء وآراء المصلين عنهم، يكتب أحدهم عن حجم الفائدة التي خرج بها من هذه الخطبة أو تلك، أو مقدار التأثر الروحي، يمكن أن يتطور الأمر فيتمكن كل خطيب من التفاعل مع المستخدمين عبر التعليقات، أو يمكن له أن ينشر محاور الخطبة القادمة مسبقاً كي يتمكن الناس من معرفة عناوين الخطب التي ستلقى في كل مسجد.

وهكذا عندما تدخل خاصية التقييمات في كل ما له علاقة بغذاء الناس وتعليمهم وصحتهم، سيلمس الناس التحسن في تلك الخدمات، فالتقييمات إحدى حسنات التكنولوجيا، وهي التي ساهمت في ظهور سمة (الحصول على الأفضل) التي هي إحدى سمات عصر الانترنت، العصر الذي نعيش فيه ونساهم في بناءه.