ماذا يحتاج البودكاست العربي لينتعش ويزدهر؟

إن كنت مشغولاً ولا تملك الوقت للقراءة والتعمق أكثر في إحدى المجالات التي تريد إثراء معرفتك بها، فلا عليك، هنالك حلول كثيرة في عصر الانترنت والحياة الرقمية، استفد من حاسة السمع لديك ودع المعلومة تدخل إلى عقلك وأنت تسترخي أو تؤدي طقوس الرياضية اليومية، نعم نحن نتحدث عن برامج البودكاس الصوتية، لكن اليوم لن نتطرق إلى أهميتها وكيف يمكن لها أن تطور حياتنا، فقد كانت تلك مقالة سابقة، أما اليوم فحديثنا عن البودكاست العربي، وعن أسباب ندرته وقلة النشاط فيه، وعن بعض الحلول المقترحة.




هنالك ثراء وتنوع كبير في المحتوى الصوتي باللغة الإنجليزية، يمكن أن نشير إلى الكتب الصوتية عند التحدث عن (المحتوى الصوتي) لكن تركيزنا الأكبر هنا هو على برامج البودكاست، فهي برامج أصلية لا تعيد إنتاج المحتوى بشكل آخر، فالكتب الصوتية هي في الأساس كتب نصية لكن تم تحويلها إلى شكل آخر من أشكال المحتوى، أما البودكاس الصوتي فهو محتوى جديد أنتج بشكل حصري لصالح أذن المستمع الذي تصل إليه الحلقات بكل سهولة في أي مكان في العالم وبالمجان.

وعند التحدث عن (المجانية) فنحن هنا نتطرق إلى نقطة بالغة الأهمية هي أحد أسباب تطور وثراء المحتوى الصوتي الأجنبي وتأخر المحتوى الصوتي العربي، ألا وهي العائد المالي الذي يجنيه أصحاب برامج البودكاست، فالعائد المالي الجيد هو أحد الأسباب المهمة التي تشجع الشخص على العمل والإنتاج والاستمرار، فالكثير من صناع المحتوى الصوتي في العالم العربي لا يستفيدون مالياً من جهدهم ووقتهم الذي يبذلونه لإنتاج الحلقات الصوتية، لذلك الكثير منهم يتوقف والبعض مستمر على استحياء.

يكفي أن تتصفح إحدى المقالات التي نشرناها في عالم التقنية في 2011 عن بعض برامج البودكاست الصوتية العربية وتتأكد من روابطها، لتجد أن معظمها قد توقف للأسف.

ثراء البودكاست الأجنبي

مما يطيب لي متابعته من برامج البودكاسات الناطقة بالإنجليزية، هي البرامج التي تعتمد على أسلوب المقابلات المباشرة من الشخصيات الناجحة والمبدعة، رياديين وكتاب وأصحاب شركات يعطونك أسرار نجاحهم ويحكون لك أخطاءهم وعثراتهم والدروس المستفادة منها، وأنت تجلس في مكانك في العالم الآخر تتلقى المعرفة عبر التجربة الشخصية التي هي من أفضل أنواعه المعرفة التي قد تحصل عليها.

من الصعب أن يجلس ريادي أعمال أمام حاسوبه ويكتب مقالة طولها 5 ألف كلمة يحكي فيها تجربته وكيف وصل إلى ما وصل إليه، قليلٌ جداً من يفعل ذلك، لكن من السهل أن يتحدث مع شخص يحاوره ويقضي معه ساعة كاملة يعطيك فيها دروس الحياة الثمينة، هذه أحد فوائد البودكاست التي لن تجدها في المحتوى النصي، ومن أمثلة تلك الحلقات الثرية بمحتواها: (How I Built This) و (mixergy) الذي أجرى أكثر من 1400 مقابلة -حتى الآن- مع رواد الأعمال والأشخاص الناجحين.

سوف تجد الكثير من البودكاستات الصوتية باللغة الإنجليزية في الكثير من المجالات، لقد أصبح من عادة رواد الأعمال عند بداية النشاط أن يطلقوا برنامجهم الصوتي الخاص لكسب جمهور عريض عبر تطبيقات البودكاست المشهورة، فهم يحاولون تقديم محتوىً جيد لكسب شهرة وسمعة جيدة، ثم انتشار يساعدهم على التواصل الفعال مع جمهور المستمعين وتحويل بعضهم فيما بعد إلى مشترين أو مشتركين.

ومع مرور الأيام يكتشف المستمع والمتابع أن هنالك تخصصيات صغيرة ودقيقة قد تواجدت فيها البرامج الصوتية، وأن هنالك محتوىً صوتي دوري يدعم هذا المجال ويعطي النصائح والتلميحات وأحياناً يجري المقابلات مع أهل ذلك الاختصاص، فهنالك تنوع كبير وثراء حقيقي في المحتوى الصوتي الناطق باللغة الإنجليزية.

مشكلة العائد المادي

لقد اعتمدت خطة اليوتيوب لتشجيع المبدعين وتحفيزهم للنشر داخل المنصة على عنصر مشاركة المكاسب المالية، فأصحاب القنوات الفاعلة يمكنهم الانضمام إلى برنامج الشراكة كي يكسبوا من تلك الإعلانات التي تظهر قبل وبجانب فيديوهاتهم، وكلما انتشرت فيديوهاتم وحصدت مشاهدات أكثر كانت المكاسب أكبر، لذلك فهم مستمرون في الإبداع والنشر وتحسين جودة المحتوى حتى يحصل على انتشار اكبر. إنها دائرة مغلقة تولد المزيد من الإبداع، والجميع يخرج من المعادلة رابح: اليوتيوب – صناع المحتوى – وأخيراً المستخدم العادي الذي يصله محتوىً ذو جودة عالية.

في برامج البودكاست الأجنبية هنالك دائرة إبداع أيضاً، فجزء كبير من المكاسب المالية التي يحصل عليها مقدمي البرامج الصوتية هي من الإعلانات، بالطبع هي إعلانات صوتية، الإعلان الصوتي مهم كذلك وله جمهوره، نمط الإعلانات الصوتية موجود أيضاً في العالم العربي، لكن للأسف لازال عالقاً في الأسلوب التقليدي القديم، عبر الإذاعات المحلية فقط تقريباً، يحتاج إلى دفعة للأمام للانتقال إلى العالم الرقمي.

عندما يقدم الشخص أو الجهة محتوىً صوتياً عالي الجودة وعظيم الفائدة، سوف يجد البرنامج طريقه للانتشار بسهولة، ذلك الإنتشار الذي سيجلب الشركات المعلنة والمهتمة كي تعلن لديهم وترعى إنتاج حلقاتهم، وهكذا كلما زاد التميز زادت العوائد المالية، وكانت النتيجة ازدهاراً وثراءً في المحتوى الصوتي المقدم. فكيف ياترى نكمل دائرة الإبداع هذه فيما يخص المحتوى الصوتي العربي.

كيف نكمل دائرة الإبداع؟

أول وأهم خطوة لإنعاش البودكاست العربي هي أن ننشر ثقافة البودكاست، أن أبدأ بنفسي وتبدأ بنفسك وتدعو غيرك، أن تشجع من يقرأ لك أو يتابعك على أن لا يهمل هذا المصدر الغني بالمحتوى المفيد، ولعل ثقافة الاستماع مرتبطة بثقافة أخرى عامة وغائبة عن واقعنا العربي المعاصر، ألا وهي ثقافة استشعار أهمية الوقت واستغلاله فيما يفيد، فعندما نرى الناس في المواصلات وأثناء الانتظار وهم يمسكون الكتب الصغيرة ويستغلون الأوقات المستقطعة بالقراءة، حينها سيكون من السهل عليهم الاستماع لحلقات البودكاست في تلك الأوقات.

لكن قد يقول قائل: أين هو التنوع والثراء في برامج البودكاست العربية حتى تدعونا لأن نوليها الاهتمام ونستمع إليها في الليل والنهار؟ نعم هي هذه المشكلة، هي معادلة يجب أن تتوازن في جميع أطرافها: (محتوى صوتي ثري) – (مجتمع كبير يستمع) – (شركات مهتمة تعلن) فنحن أولاً نوجه كلامنا للجمهور العام الذي هو المستفيد الأول، ذلك المجتمع الذي سيكون المشجع الأول لصناع المحتوى الصوتي لأن يبدعوا وينتجوا لأن هنالك من سوف يستمع إليهم.

الدور كذلك على صناع المحتوى الصوتي -أو من ينوي أن يكون كذلك- فكلما زادت البرامج الصوتية في الكثير من المجالات وتحسنت جودتها، كلما تشجع الجمهور العربي على التوجه إليها والاستماع لحلقاتها، سيكون من السهل الاستمرار في الإنتاج الصوتي إن كان هنالك شغف وإيمان بقيمة ما يقدمه الشخص عبر برنامجه الصوتي، وخاصة إن كان ضمن دائرة اهتمامه وشغفه.

ثم يأتي دور المؤسسات والشركات التي هي قادرة على رعاية البرامج الصوتية بكل سهولة، قد لا يكون هنالك فائدة تسويقية كبيرة، لكن هنالك بالتأكيد فائدة مجتمعية ومساهمة في نهضة مجتمعاتنا العربية، وأكيد الشركات التي تفكر في تنمية المجتمع والمساهمة في نهضته هي شركات تستحق أن تكون رائدة في مجالها.

تفكير خارج الصندوق

ليست الإعلانات أو الرعاية هي الوسيلة الوحيدة لكسب المال أو للاستفادة بشكل عام من الإنتاج الصوتي، فهناك أيضاً مكسب آخر يكمن في كسب الجمهور وولاء المتابعين، إنه تسويق بطريقة غير مباشرة، فأنت عندما تقدم محتوىً مفيد في مجال عملك فسوف تجلب إليك المهتمين بنفس المجال، وكلما قدمت لهم الفائدة كلما زاد ولائهم لك -أو لشركتك الناشئة- وامتنانهم لما تقدمه، وبالتالي يمكن أن يتحول جزء غير يسير من هذا الجمهور إلى عملاء وزبائن.

لكن حتى إن لم يكن هنالك أية فائدة مادية، يمكن للمؤسسات التنموية أن تساهم في إثراء هذا الجانب وأن تقوم بإنتاج برامج صوتية متخصصة في مجالات متعددة، وتخصص لها ميزانة وتوظف الأشخاص المؤهلين لإنتاج الحلقات بشكل احترافي وتقديم محتوىً ذو جودة عالية، ومن جهة أخرى تقوم بعمل حملات إعلانية لتشجيع الناس على الاستماع لتلك الحلقات، وهي بالتالي تضرب عصفورين بحجر، تساهم في إثراء المحتوى الصوتي العربي، وتعمل على نشر هذه الثقافة العالمية، ثقافة البودكاست.