سمات عصر الانترنت (5): مجتمعات رقمية مصغرة

كنت فقط أراقبهم، أتأمل في صبرهم وطول انتظارهم، يجلسون هناك أمام البحر ويقضون الساعة تلو الساعة، يستمتعون بالأجواء الرائعة ويسرقون بعض الوقت من زحمة الدنيا ومشاغلها، إنهم أولئك الصيادين الجالسين جوار صنانيرهم، يمارسون هواية صيد الأسماك، كلما ذهبت إلى تلك المنطقة الصخرية المطلة على البحر، جلست أتأمل بعضاً منهم، استمتع برؤية الفرحة على وجه أحدهم وهو يحصل على سمكة صغيرة، وأتعلم من البعض الآخر كيف نستمتع بحياتنا ونخفف من رتم سرعتها الذي يسلب منها ميزة الاستمتاع بكل لحظاتها.

في أحد الأيام، فكرت أن أنظم إلى ركبهم، أن أشتري سنارة وأذهب بعض الأيام إلى البحر كي أصطاد بعض الأسماك، على أساس الهواية وليس طلب الرزق، بغرض الاستماع بالحياة وتجربة أشياء جديدة، لكني ترددت حينها لعدم معرفتي بقواعد الصيد وخفاياه، فكرت أن أسأل أحد الصيادين أن يعلمني بعض الأساسيات، لكني ترددت في ذلك وقلت في نفسي؛ ليس سوى الانترنت من يسعفني، سوف أسأل العم قوقل فربما يوصلني لمقالة كتبها أحدهم هنا أو تلميحه نشرها آخرُ هناك.

مجتمع صيد الأسماك

كنت أتوقع أن أجد بعض المقالات القليلة عن صيد الأسماك، ربما صفحة في الفيسبوك أو مجموعة، لقد توقعت أن هنالك بعض المحتوى المفيد والأشخاص المهتمين ممن يكتبون في هذا المجال ويشاركون خبراتهم، لكني بمجرد أن كتبت عبارة البحث في قوقل، تفاجأت بالنتائج، فلم تكن مقالات قليلة، وإنما عشرات الصفحات والمقالات في مجال صيد الأسماك، ولم تكن مجرد صفحة أو مجموعة في الفيسبوك، إنما صفحات ومجموعات، كلها تشكل مجتمع كامل لمحبي ومحترفي صيد الأسماك.

أنا فقط أذكر موضوع “صيد الأسماك” كمثال من بين الأمثلة الكثيرة التي تعرضت لها شخصياً، فهنالك مثلاً مجتمع “تعلم اللغة الانجليزية”، بمجرد أن تفكر في البدء والدخول في هذا المجال إلا وتجد مجتمعاً زاخراً بالمحتوى والأشخاص الذين يعينونك في مسيرتك لإتقان الانجليزية، على سبيل المثال، سوف تجد:

  • قنوات يوتيوبية لأشخاص مهتمين بتعلم اللغات
  • مجموعات فيسبوكية زاخرة بالمهتمين في هذا المجال
  • مواقع ومدونات متخصصة وتعليمية تساعدك على التعلم
  • حسابات سناب شات تعطيك المفيد والنافع
  • صفحات في الانستقرام تنشر الدروس والتلميحات
  • حسابات تويتر متخصصة في هذا الجانب

بناء المجتمع الخاص بك

هنالك شكوى متكررة بأن الشبكات الاجتماعية تضيع علينا أوقاتنا في غير ذات فائدة، تبعدنا عن مسار حياتنا المهني أو العملي الذي نود النجاح فيه، ففيها الكثير من المنشورات الاجتماعية والكثير من الآراء حول هذا أو ذاك، محتوى كثير قد لا يفيدك حقاً في المجال الذي تسعى لتحقيق النجاح والتميز فيه. لكن الغائب عن الكثيرين هو أن تلك الشبكات الاجتماعية إنما هي عجينة صلصالية تشكلها أنت كيفما تشاء، أنت تشكلها لتجعل منها المجتمع الذي تريد.

المحتوى في الشبكات الاجتماعي يتشكل بناءً على اختياراتك أنت، بناءً على الأصدقاء والصفحات والحسابات التي تتابعها، وحتى بناءً على سجل البحث والتصفح السابق كما هو في موقع اليوتيوب، بمعنى أن المحتوى يختلف من شخص لآخر في تلك الشبكات، فهو يتكيف بحسب اهتماماتك أنت واختياراتك، لذلك فبالإمكان اختيار أشخاص وصفحات كي تتابعهم ممن هم مهتمين بنفس المجال الذي تهتم به، وسوف تصلك منشوراتهم وأحداثهم وأنشطتهم التي بالتأكيد ستدخلك جو المجتمع.

الخروج من الواقع

تسمع لقصص كثيرة من أشخاص سلكوا ركب تخصصات لم تكن تعجبهم، أصبح مجال عملهم مختلف عن مجال هواياتهم وشغفهم، لكنهم أصبحوا عالقين في المكان الذي هم فيه، في تلك الوظيفة المملة ومع أولئك الأشخاص، وفي مجتمع العمل ذلك الذي يدور حول ذلك التخصص، قد يكون من الصعب عليه أن يغير مجال حياته المهني أو عمله، من الصعب أن يعود إلى الجامعة ويدرس مجال آخر أو حتى يحضر الدورات التي ربما تكلف الكثيف من المال والوقت الذي لا يملكه.

الانترنت حل لنا المشكلة، عبر هذا الفضاء الرقمي الكبير؛ يمكن الانغماس في أي مجتمع آخر في أي مجال من المجالات، سوف تجد بالتأكيد على الأقل بعض المجموعات والحسابات التي من خلالها يمكنك التعلم والتعرف على أشخاص جدد تتبادل معهم نفس المجال والاهتمام، سوف تتمكن من العيش في مجتَمعين مختلفين، المجتمع الأول الذي يفرضه عليك الواقع، والآخر الذي تختاره أنت عبر الفضاء الرقمي والعالم الافتراضي.

وحين تكون الفرصة مواتية؛ اقفز واخرج من المجتمع الواقعي المفروض عليك وانضم إلى المجتمع المحبوب إلى قلبك كي تعيش الحياة السعيدة، فالسعادة في أن تعمل ما تحب وأن تحب ما تعمل، في أن تمارس مهنتك في مجال هوايتك، في أن يتطابق كلا المجتمعين؛ الواقعي والافتراضي.

المشاركة في المجتمع

يمكن لأي شخص أن يشارك في نماء وازدهار أي مجتمع رقمي افتراضي، المنشور الصغير بداخل مجموعة الفيسبوك هي مشاركة صغيرة، المعلومة التي تشارك بها الآخرين وتفيد بها المبتدئين تعتبر مشاركة ومساهمة منك في إفادة الآخرين الداخلين إلى المجتمع، والذين قد يكونون في بداية الرحلة، فلقد كنت مثلهم في بداية الأمر واستفدت من الآخرين الذين لم يبخلوا عليك بخبرتهم وتجاربهم في ذاك المجال.

كما يمكن أيضاً أن تكون مساهماً كبيراً في مجتمعك الرقمي، أن تطلق مجموعة في الفيسبوك أو مدونة في الانترنت تهتم بذلك المجال، أو ربما منتدى أو ساحة نقاش تجمع المهتمين بالمجال الذي تهواه وتبدع فيه، لا يوجد أي مانع من المشاركة والمساهمة في نماء المجتمع بأي طريقة تحب، وما تحتاجه من مهارات -لإطلاق مدونة أو تصميم صفحة- سوف تجد له الكثير من المصادر التعليمية.

لكن ماذا لو لم تجد المجتمع الذي ترغب في الانغماس فيه، ماذا لو لم يكن هنالك مجموعات ومدونات وحسابات اجتماعية تهتم بذلك المجال، فربما يكون مجالاً فرعياً نادراً، وحينها يمكنك أنت أن تمسك زمام المبادرة وتبدأ بقص شريط الافتتاح، يمكن أن تفتتح أول مجموعة فيسبوك أو أول مدونة متخصصة في ذاك المجال، وسيكون لك قدم السبق فيه.

مجتمعات حسوب  I/O

كانت فكرة ذكية من شركة حسوب عندما قسمت موقعها “حسوب I/O” إلى مجتمعات، لم تختر “منتديات” أو “أقسام” كاسم لتلك التفريعات، لكنها اختارت اسم “مجتمعات” لأن هذا الاسم يعبر أكثر عن تلك المنصة، فهي ليست مجرد منصة نشر عادية، إنما، أفراد يكتبون، وآخرون يشاركون ويثرون، والبعض يقيم المشاركات ليساهم في تمييز الأفضل والأكثر فائدة، وفي كل مجال من المجالات هنالك متخصصون ومهتمون بالمجال يساعدون بعضهم البعض.

وختاماً،، كانت هذه أحد سمات عصر الانترنت، لم تكن موجودة فيما مضى من عصور الإنسان، ذلك الإنسان الذي لم يجد طريقة للخروج من بوتقة المجتمع الصغير الذي يعيش فيه إلا بالسفر والانتقال، أما الآن فهو قادر بأن يغمر نفسه في المجتمع الذي يريد، إنها فعلاً إمكانية كبيرة متاحة لبني البشر اليوم، لمن أراد منهم أن يطور حياته ويترك الأثر قبل مماته.

للإطلاع على المقالات الأولى من سلسلة “سمات عصر الانترنت”:

  1. سمات عصر الإنترنت (1): الحصول على الأفضل
  2. سمات عصر الانترنت (2): الوجبات المعلوماتية السريعة
  3. سمات عصر الانترنت (3): التعليم المجاني والمفتوح
  4. سمات عصر الإنترنت (4): خدمات مجانية وإعلانات تجارية