الإفصاح .. الحل المنطقي لفوضى إعلانات المشاهير والمواقع

“هذا رأيك وإلا إعلان”، “كم دفعوا لك”، ” شف النصاب!” كل العبارات السابقة أصبحت متداولة بشكل كبير عندما يقوم أحد المشاهير أو المواقع بذكر محاسن وعيوب منتج أو في بعض الأحيان الترويج له.

ما يحدث حالياً هو أن المتلقي أصبح يطلق الحكم على ما قام به المشهور أو الموقع من خلال نظرته الشخصية، والسبب أن عرض المنتج لا يوضح هل هو عرض إعلاني أو عرض من باب تقديم المعلومة والفائدة.

وهذا ما يجعلنا نتحدث عن نظام يحل هذا الخلل ويحمي المتلقي ويجعل من عمل الشركات مع المعلنين من مشاهير ومواقع ومدونات عملي احترافي ومنظم ومن دون أي رتوش أو خداع للمتلقي.

لماذا الإعلانات مهمة للمواقع والمشاهير، وكذلك الشركات؟

قبل الحديث عن نظام الافصاح، دعونا نتحدث لماذا تقوم المواقع و صناع المحتوى في اليوتيوب و المشاهير بالإعلان؟ الجواب لأنها من أهم وأكثر مصادر الدخل لهذه الجهات، فالإعلانات التي تظهر الآن في القنوات الرقمية تقدم فائدة كبيرة لمروجي منتجات الشركات فمن خلال إبرازها وعرضها للمتلقي يحصل الكثير منهم على دخل كبير يغطي تكاليفه الخاصة أو تكون مصدر ” رزق له”.

تخيل نفسك بمكان أحد المشاهير والذي وجد فرصة من فرص العمر بتحقيق دخل مرتفع من الإعلانات، هل سترفض شركة ستدفع لك مابين 20 الف و 80 الف ريال مقابل 5 و 10 مقاطع سنابات؟ هل ترفض نشر تغريدة بمقابل 10 آلاف ريال؟ أو إعادة نشر تغريدة بمقابل 5000 ريال؟. متأكد أن الأغلب سوف يقول لا وسوف يقوم بعرض الإعلانات ويستغل هذه الفرصة لتحقيق دخل عالي.

هذا الأمر ينطبق على المواقع والمدونات، فمثلا نحن في عالم التقنية  نعتمد بشكل كلي على الإعلانات في الحصول على الدخل المطلوب والذي يمكننا من تغطية تكاليفنا الكبيرة والتي تشمل السيرفرات ورواتب الكتاب والتطوير وغيره، فلولا الإعلانات لما بقي عالم التقنية طوال هذه السنين وكذلك العديد من المواقع الأخرى.

من ناحية الشركات، تقوم بالترويج لمنتجاتها من خلال عدة قنوات وخلاف السنوات الأخيرة وجدت بأن من أفضل الطرق للترويج هو بإستخدام مواقع الانترنت و المشاهير لعدة أسباب أهمها:

  • الوصول المباشر للجمهور المستهدف، فمثلا لو كانت الشركة تبيع مكياج ومستحضرات تجميل فأنه يمكنها الآن الوصول لجمهورها من خلال الإعلان مع البنات المشهورات واللواتي تملكن قاعدة بيانات كبيرة من المتابعين وتكون متخصصة في مجال المكياج، هنا أصبح الوصول لهذا الجمهور مباشر وسريع.
  • تكاليف أقل، الشركات الآن تجد مصاريف الإعلانات من خلال المشاهير قليلة جداً، فمثلا يمكن أن تقوم شركة بالترويج لمنتج معين مع مشهور واحد او أثنين بتكلفة  أقل  من استخدام إعلانات التلفزيون وبعض القنوات الأخرى.
  • نظرا لإرتفاع استخدام تقنيات حجب الإعلانات في المواقع، اتجهت الشركات لإستخدام طرق أخرى للترويج لمنتجاتها من بينها الترويج من خلال المحتوى (كتابة مقالات وتقارير عن منتجاتها في المواقع) و أيضاً باستخدام المشاهير.
  • السرعة في التنفيذ، يمكن للشركات من إطلاق حملة إعلانية ضخمه مع المشاهير في يوم أو يومين ومن دون الحاجة لإستخدام صور وفيديو خاص للترويج لهذا المنتج، فقط يقوم المشهور بالحديث عن المنتج بأسلوبه العفوي.

ولقد بينت بعض الدراسات بأن التأثير على مبيعات المنتج المروج له من خلال المشاهير مثل هذه وهذه وأيضا هذه تأثير كبير جداً، فمثلا هذه الدراسة رسم بياني يوضح أن اكتساب العملاء من الإعلان من خلال المشاهير عالي جداً

حتى أن بعض وكالات الإعلانات تقترح بالإعلان عند المشاهير الصغار والذين لايملكون متابعين بعدد كبير وأن هؤلاء لديهم تأثير كبير من خلال التسويق من خلال الحديث عن المنتج لمتابعينهم ومن هم حوله

أخيرا هنا دراسة من بروفيسور في التسويق في جامعه بنسلفانيا يذكر بأن تأثير المشاهير عالي جداً على قرارات المستخدمين في شراء المنتج

إذاً، لماذا لدينا أزمة؟!

مع كثرة وتزايد عدد المواقع والمدونات وكذلك المشاهير في شتى أنواع الشبكات الاجتماعية، زاد معها وارتفع ظهور الإعلانات بمختلف الوسائل، ومع تسارع وتيرة نموها وانتشار الإعلانات وعدم  الإفصاح عنها، أصبح المحتوى متداخل ما بين محتوى حقيقي وبين محتوى إعلاني، وهذا يعود إلى انه لا يوجد أي قانون يجبر الموقع أو المشهور أو الشركات المعلنة على الإفصاح، مما تسبب في جعل الكل يرضخ للإعلان بأي طريقه وأن يقبل ضغط الشركات التي تريد الانتشار لمنتجاتها بأسرع وأفضل طريقه.

ونشاهد بعض الأحيان الكثير من المستخدمين ومتابعي المشاهير والمواقع يطرحون سؤال مهم وجوهري، لماذا لا تبادر المواقع أو المشاهير بالإفصاح عن الإعلان بدلاً من خسارة جماهيريتهم؟

الجواب وهو أن السبب يعود إلى أن الشركات والتي لا يوجد أي نظام يجبرها على الإفصاح لا تطلب من المشاهير أو المواقع الإفصاح عن الإعلان نفسه، ناهيك على أن بعضها يشترط على أنه لا يجب عن الإفصاح نهائياً.

في هذه الحالة يقع صاحب الموقع أو المشهور في أزمة اختيار خيارين لا ثالث لهم، إما أن يخسر الإعلان وقيمته العالية بسبب طلبه الإفصاح وسهولة إيجاد بديل عنه يقبل بعد الإفصاح، أو القبول والرضوخ للأمر الواقع وقبول الإعلان من دون أي افصاح وهذا مايحدث حالياً مع أغلب المشاهير.

أسعار الإعلان مع بعض مشاهير السناب شات بعد إزاله اسمائهم، علما بان الارقام قديمة ولذلك الاسعار هذه الأيام وصلت إلى الضعف .

ما هو نظام الإفصاح ولماذا هو الحل؟!

نظام الإفصاح بكل بساطة هو نظام يجبر الشركات و المعلنين من مواقع ومشاهير بالإفصاح عن هذا الإعلان من خلال وضع كلمة “إعلان” أو “برعاية”  وغيره من المصطلحات بحيث تكون واضحه للمتلقي ويعرف بأنها إعلان.

أقترح على الجهات التي تعمل في مجال حماية المستهلك في تبني نظام مشابه لحد كبير من النظام المعمول فيه في أمريكا والذي قامت لجنة التجارة الفيدرالية في أمريكا والتي تهتم في حماية المستهلك وحماية التنافس بين الشركات بإطلاقه خلال 2015.

نلاحظ أن اللجنة تذكر بان مراجعات اليوتيوب والتي تحتوي على ترويج يجب على صاحب القناة الإفصاح عن ذلك.

هذه اللجنة لديها نظام واضح وصريح ( لازالت تقوم بتطويره) فيما يتعلق بالإعلانات، فهي تجبر وبحسب أنظمتها على أن تقوم الشركات بالإفصاح عن الإعلان وهذا ينطبق على المعلن نفسه من مشاهير ومواقع، وأي جهة تخالف هذا القانون فإنها عرضه للمسألة والغرامات، كمثال، أجرت اللجنة تحقيق مع شركة وورنر برذر بسبب قيامها بالتعاقد  مع مجموعة من اليوتيوبر وطلب الترويج لأحد ألعابها من دون طلب الإفصاح منهم، وأيضا قامت اللجنة بتغريم شركة الأزياء Lord & Taylor والتي قامت بإجراء حملة إعلانية ضخمه وبالتعاقد مع 50  شخصية مشهورة من دون الإفصاح عن الإعلانات.

مثال أخير، نشرت الممثلة سيلينا قوميز صورة لها ومعها قارورة كوكا كولا من دون أن تفصح وبعد أن واجهها هذا الموقع والمعروف بمطاردة المشاهير الذين ينشرون إعلانات من دون الافصاح عنها قامت بتغير النص المرافق للإعلان ووضعت هاشتاق #ad

بسبب كثير من المشاكل السابقة ظهرت بعض الشركات التي رضخت لهذه القوانين وأصبحت تجبر المشاهير وصناع المحتوى بالوضوح والكشف على أن الترويج للمنتج إما برعاية منهم أو إعلان، وهنا أضرب مثال على ما قامت به شركة EA الناشر المعروف في مجال الألعاب حيث كشفت خلال نوفمبر الماضي عن خطوات إجبارية لابد أن يقوم بها صانع المحتوى في الشبكات الإجتماعية وتتمثل بوضع هاشتاق #supportedbyEA في حال تغطية فعالية أو مراجعة أحد منتجات الشركة أو وضع هاشتاق #advertisement في حال كان المحتوى مدفوع من قبلهم، أما صناع الفيديو تجبرهم الشركة على وضع أحد الشعارين بحسب نوعية المحتوى مثل ما ذكرنا سابقا.

هذا النظام كما ترون يقوم بحماية المستخدم بإجبار الجميع على الإفصاح، فعلياً هذا ما نحتاجه ويجب على الجهات الخاصة من حماية المستخدم ووزارة التجارة في السعودية أو أي دولة في منطقتنا تبني هذا النظام واستخدامه في سبيل حماية الجميع.

ويمكن تلخيص فوائد نظام الإفصاح في النقاط التالية:

  • الإفصاح عن الإعلانات سيعطي مصداقية أكثر للمشهور والموقع بحيث يفرق المتلقي ما بين الإعلان والمحتوى الحقيقي، وهنا تختفي ظاهرة التذمر واتهام المشاهير وصناع المحتوى بالكذب وأصبح كل شيء أمامه واضح وصريح.
  • إجبار الشركات على ابتكار إعلانات جميلة وتقديم قيمة إضافية للإعلان مثل تخفيضات أو عروض خاصة، كمثال الإعلان التي أحب متابعها في بودكاست Twit، فكل إعلان يظهر من خلال برامج البودكاست فإنك تجد قيمة إضافية لك من تخفيضات وعروض مثل عرض كتابين من Audible.

في هذا المقال أردت أن أسلط الضوء على مشكلة حقيقية يعاني منها سوق الإعلانات في الشبكات الاجتماعية والمواقع وهي مشكلة الشفافية و الوضوح، وكل ما ذكرته لا يهدف للدفاع عن أنفسنا أو عن المشاهير بقدر ما هو إيضاح بوجود مشكلة ولدينا حل ولكن هذا الحل يحتاج بأن نكون صريحين مع أنفسنا ومن ثم وجود نظام يساهم بتحقيق العدل مع الجميع.

ولا أجد أفضل من حل نظام الإفصاح والذي لو طبق ونفذ بشكل صحيح لن تكون هناك مشاكل واتهامات وإساءة للمشاهير أو المواقع وكذلك الشركات، قد نتفق ونختلف معهم في طرق طرح الإعلانات ولكن يجب أن لا ندع فرصة للدخول بذمهم وإتهامهم بالكذب مادام لا يوجد نظام يحمي الجميع ويوفر أرض صلبة لسوق الإعلانات.

لذلك يجب أن تقوم جمعية حماية المستهلك أو وزارة التجارة بالعمل على إنشاء نظام إفصاح واضح وصريح يشمل الجميع من معلنين ومواقع ومدونات ومشاهير في سبيل جعل المتلقي يعرف ويفرق ما بين المحتوى الحقيقي والمحتوى الإعلاني، ويمكن الاستفادة من الأنظمة الموجودة في الدول الاخرى مثل النظام الأمريكي وإنشاء نظام مشابه في منطقتنا وبأسرع وقت.