كيف أصبحت “مقالات التجارب” محبوبة العم “قوقل”

قبل أيام، كنت أبحث -عبر الانترنت- عن موضوع تصحيح الإبصار بأشعة الليزر، طبعاً في تلك الحالات نقوم بالتوجه مباشرة للعم قوقل، محرك البحث الذي يحبه الملايين من البشر، كتبت في مربع البحث عبارة تدل على ذلك الموضوع، فظهرت لي العديد من النتائج، منها مقالة في النتائج الأولى عن تجربة أحد الأشخاص في هذا الموضوع، شخص يدعى عبدالعزيز كتب تجربته في إجراء عملية تصحيح النظر عبر أشعة الليزر ونشرها في مدونته الشخصية.

مدونة بسيطة وهادئة -لكن جميلة ومنسقة- الموضوع مكتوب بطريقة سهلة ومباشرة، الشخص كتب تجربته كاملة مع الكثير من النصائح والتلميحات المفيدة، تنزل إلى الأسفل فإذا بك تجد عشرات التعليقات على تلك المقالة، لقد حازت تلك المقالة على رضى العم قوقل فقدمها في نتائج بحثه وجعلها قبل الكثير من الصفحات التي قد تكون متخصصة ومن مواقع طبية عريقة، أما القراء والزوار فقد نالت المقالة استحسانهم والدليل على ذلك كمية التعليقات والتشكرات.

يمكن أن نقسم المحتوى النصي الرقمي أو المقالات المكتوبة في مواقع الانترنت إلى عدة أقسام، وسيكون أحد هذه الأقسام “مقالات التجارب” تلك المقالات التي يحكي الشخص فيها تجربته في أمر من الأمور أو حدث من الأحداث، لقد ضربت لكم بداية هذه المقالة أحد الأمثلة التي تثبت أن تلك النوعية من المقالات تحوز على شهرة جيدة وانتشاراً واسعاً، طبعاً لم تكن تلك حالة فردية، فهنالك الكثير من الأمثلة الأخرى، مثل:

تجارب الأخت أروى في التصوير

مدونة أروى، مدونة بسيطة وخفيفة الظل، تكتب فيها الأخت أروى العمراني العديد من المواضيع المتعلقة بحياتها واهتماماتها، وكذلك تشاركنا أفكارها وتجاربها المختلفة، رغم أنها مدونة شخصية مثل آلاف المدونات الأخرى، إلا أن فيها طابع خاص مختلف، إنها مستودع تجارب الأخت أروى، ليست مثل المواقع الأخرى والمدونات التي تعطينا مواضيع مجمعة وملفقة، بل إن معظم المحتوى المكتوب يلامس تجارب الأخت أروى في حياتها، تعطي قراءها التجربة والمعلومة والنصيحة في قالب واحد وبأسلوب شيق، لذلك فتدويناتها تحصل على تفاعل كبير من قبل القُرّاء.

كتبت الأخت أروى قبل أشهر موضوع بعنوان (٨ أسرار لتصوير احترافي)، تلك الأسرار لم تكون معلومات قرأتها في مواقع أو مدونات أخرى، ليست معلومات مجمعة من مصادر مختلفة، بل هي تجارب شخصية وأشياء عملية، ففي المقالة تعطينا الأخت أروى تجربتها الشخصية في مجال التصوير، التجربة التي من خلالها تفيد الآخرين وتعطيهم أفضل النصائح والتلميحات للدخول في هذا المجال.

تلك المقالة حازت على رضى الكثير من القراء، ففيها أكثر من 170 تعليق، وهي في النتيجة الثانية في بحث قوقل عند استخدام عبارة (أسرار التصوير) وفي الصفحة الأولى عند البحث بكلمة (التصوير)، العم قوقل يحتفي بهذه المقالة ويعلي مركزها في نتائج بحثه ليوصل إليها جموع الزوار الباحثين عن المعلومة الجيدة، فالعم قوقل يعرف كيف يصل للمحتوى الجيد والمفيد.

تجربة حسين في ربح المال

التجارب كثيرة، لكن قليل من الأشخاص من يشاركوننا تجاربهم المالية، كم يكسبون من أموال وماهي الأسرار والخفايات التي توصلهم لتلك المكاسب، وخاصة في جوانب العالم الرقمي التي يمكن للمرء تحقيق الكثير من الأموال (سواءً مواقع الكترونية أو تطبيقات هاتفية)، أما الأخ حسين البطاح من دول الكويت فقد قرر أن لا يبخل بالمعلومة وأن يفيد الآخرن ويعلن مبالغه المالية التي يكسبها من وراء تطوير تطبيقات الهاتف الذكية، وكذلك يتيح الباب لمن يريد أن يسأل ويستفسر عن هذا المجال المربح.

قبل 10 أشهر، نشر الأخ حسين مقالة واحدة في موقع “حسوب I/O” يخبرنا فيها عن تجربته في تطوير تطبيقات الهاتف المحمول وخاصة تطبيقه الخاص بالتصميم والتعديل على الصور (المصمم) الذي أطلقه في بادئ الأمر في متجر أبل ثم الأندرويد، وحقق من خلاله ومن خلال تطبيقه الآخر (InstArabic) على مبالغ مالية كبيرة “ربع مليون دولار”، في تلك المقالة شرح لنا الجوانب المالية بشيء من التفصيل، كي يستفيد كل من يحب الدخول في عالم تطوير التطبيقات ويعرف وضع الكسب المالي من التطبيقات العربية.

تلك المقالة حققت تفاعلاً مميزاً، فقد نالت أكثر من 250 نقطة تصويتية داخل مجتمع حسوب، وحصلت على أكثر من 70 تعليق، واستفاد منها الكثير، وأكثر منهم سيصلون إليها في قادم الأيام، فتلك الخبرات والتجارب العملية لا تموت في فضاء الويب، بل تبقى لتسقي العطاش في كل الأزمنة مادامت تلك الصفحات متاحة عبر فضاء الويب الرقمي.

تجربتي في تعلم الإنجليزية

قبل حوالي سنتين، كتبت مقالة طويلة عن تجربتي في تعلم اللغة الانجليزية، كنت قد انغمست قبلها في كل ما له علاقة باللغة الانجليزية وطرق تعلمها عبر الانترنت، جربت الكثير من المواقع والتطبيقات وتعلمت الكثير في هذا الجانب ووصلت إلى مستوى متقدم في اللغة دون الاعتماد على دورات المعاهد المحلية، كل ذلك عبر التعلم الذاتي، ثم أحببت ان أشارك تجربتي تلك كل من يريد تعلم اللغة الانجليزية، فهنالك الكثير من المصادر والأدوات المساعدة التي تسهل علينا الطريق، لكن الكثير من الشباب ممن يطمحون في تحسين إنجليزيتهم لا يعرفونها.

شاركت كل ما أعرف وكتبت التجربة على شكل خطة متكاملة لتعلم وممارسة الانجليزية عن بعد، ثم نشرتها في موقع “ثورة الوب” وتركتها، ثم بعد أشهر قليلة، بدأت ألاحظ زيادة كبيرة في عدد الزوار القادمون إلى تلك المقالة بالتحديد، مئات الزوار والقراء كانت تحط رحالهم إلى تلك المقالة، كانت مراكب بحث قوقل توصلهم إليها تباعاً، فلقد كانت المقالة تظهر في نتائج البحث الأولى عند استخدام العديد من العبارات المتعلقة بـ”تعلم الانجليزية”.

لماذا مقالات التجارب

بغض النظر عن كون المحتوى رقمياً -مكتوب في فضاء الانترنت- أو تقليدياً -مكتوب على الورق- ذلك النوع من المحتوى سواءً كان مقالاً أو كتاباً ، هو فعلاً ذو فائدة كبيرة، لأنه ينقل للآخرين تجربة شخص في هذا العالم في موضوع من المواضع، تلك التجارب التي هي أساس بناء الحضارة الإنسانية، فالإنسان يستفيد من تجارب أخيه الإنسان، تلك التجارب توفر عليه خوض غمار التجربة بنفسه، يحصل على النتيجة جاهزة معلبة فيسترشد بها ويبني عليها.

يمكن أن نفهم احتفاء الإنسان بذلك النوع من المحتوى الرقمي، يمكن أن نفهم التفاعل الكبير على تلك المقالات عبر التعليقات والمشاركات التي تتم من قبل المستخدمين أنفسهم، لكن مالا قد يفهمه البعض هو كيف يعرف محرك البحث قوقل أن تلك المقالات هي تجارب شخصية، كيف يستوعب الفائدة الكبيرة الكامنة بداخلها وبالتالي يقوم بترقيتها في نتائج البحث كي يصل إليها عدد أكبر من الباحثين والراغبين.

محركات البحث اليوم أصبحت تعتمد أكثر على سلوك المستخدم والزائر للصفحة على شبكة الانترنت، هنالك الكثير من المعلومات التي تقوم بجمعها حول تفعال الزوار مع صفحات الانترنت والمحتوى الموجود بداخلها، فمثلاً يمكن ببساطة قياس مدة بقاء الزار في الصفحة، فكلما كان المحتوى جيداً كانت مدة بقاء الزائر فيها أطول، كذلك معدل نشر رابط المقالة في شبكات التواصل الاجتماعية، فالزائر عندما يجد المقالة والمحتوى مميزاً ومفيداً يقوم حينها بنشر الرابط في صفحته أو حسابه.

هنالك تغيير كبير في آليات عمل محركات البحث وخاصة فيما يتعلق بترتيب النتائج، ذلك الترتيب الذي يساهم في نشر المحتوى الرقمي، لم يعد على أصحاب المواقع وصانعي المحتوى الرقمي الاهتمام كثيراً ببناء الروابط الخارجية وتحسين صفحات مواقعهم لمحركات البحث، كل ما عليهم هو كتابة محتوى ذو جودة عالية، محتوى ذو فائدة كبيرة، وسوف يجد طريقه للانتشار عاجلاً أم آجلاً.

رسالتي اليوم موجهة لكل صانع محتوى، سواءً كان كاتب مقالات وتدوينات، أم صانع فيديوهات في اليوتيوب، اهتم بجودة المحتوى، شارك الآخرين العلم الذي بحوزتك والتجارب التي مررت بها، أخرج مالديك من معلومات وخبرات وشارك بها العالم وازرع البذور الطيبة، فسوف تنمو في فضاء الويب وتصبح أشجاراً يانعة ينتفع بها كل من أوصلته مراكب قوقل إليها.

الصور تحت رخصة “الملكية العامة”: (1)(2)(3)(4)