سرطان التجارة الإلكترونية

دفعت نجاحات التجارة الإلكترونية في الدول المتقدمة بعض دول العالم الثالث ليبدوأ بإستيعاب أهمية ومزايا هذا الشكل والنوع من التجارة. فنحن في المملكة العربية السعودية شهدنا ميلادها قبل سنوات معدودة، ومع أنه ولد متأخراً إلا أنه يحمل مواصفات الخديج لكثرة مشاكله ونقص الخدمات المساندة له.




من أكبر المشاكل في التجارة الإلكترونية هي عدم توفر حلول للمدفوعات الإلكترونية تناسب طبيعة وظروف المستهلكين والمتاجر الإلكترونية وقد عرجت على بعض اسبابها في مقال سابق. هذه المشاكل اضطرت أصحاب المتاجر إلى تبني ودعم ما يسمى خدمة الدفع عند الإستلام (COD) وهذا يعني أن العميل يشتري سلعته إلكترونياً ويدفع عندما يتم التوصيل له. لاشك أن هذه الخدمة ساعدت أصحاب المتاجر على زيادة مبيعاتهم وأرباحهم لكنها في الوقت نفسه خلقت سلسلة من المشاكل التي انتشرت وتجاوزت حدود المتجر نفسه. لهذا السبب أطلقت على هذه الخدمة أسماً خاصاً وهو سرطان التجارة الإلكترونية.

دعوني أبين لكم حجم هذه المشكلة، خدمة الدفع عند الإستلام تتسبب في سلسلة مشاكل تبدأ من المتجر مروراً بشركة التوصيل إنتهاءاً بالدولة ككل. فالمتجر يتضرر من سلبية التدفقات النقدية لإن مبالغ بضاعته المباعة يتم تحصيلها من قبل شركة التوصيل وتقوم بالإحتفاظ بها لفترات تصل لأسابيع. أيضاً، عدم إجبار العميل على الدفع أونلاين أثناء الشراء يعني زيادة الطلبات الوهمية وهذا يؤدي إلى ارتفاع التكاليف بسبب زيادة الأعباء التشغيلية على المتجر لتأكيد الطلبات. الطلبات الوهمية وعدم جدية العميل بإستلام الطلب -لإنه لم يدفع بعد- تؤدي إلى زيادة معدلات الإسترجاع وهذا يرفع تكاليف التوصيل للطلبات المسترجعة الغير مباعة.

أما بالنسبة لشركة التوصيل فهي تعاني من صعوبة جدولة أوقات التسليم للعملاء وتقوم بذل جهد أكبر من اللازم لموائمة أوقات العمل والسائقين والعملاء. عدم وجود جدية كافية لدى “أغلب” العملاء لإستلام الطلب هو أحد أكبر الأسباب لحدوث هذه المشكلة لإنه ببساطة لم يدفع تكلفة المتنج بعد وأيضاً لن يتحمل تكلفة الإسترجاع بتاتاً وفي الوقت نفسه يستطيع  شراء نفس المنتج مرة أخرى من نفس الموقع أو غيره. هذا يؤثر بشكل كبير على جودة وسرعة خدمة التوصيل ويؤدي إلى عدم إستغلال الموارد بشكل أمثل لدى شركة التوصيل. ايضاً، خدمة الدفع عند الإستلام أضافت عبأً أخراً عليها وهو التحصيل، لإنهم يقومون بتحصيل مبالغ المنتجات بالنيابة عن المتاجر وبالطبع تحصيل ومداولة الكاش بين السائق والشركة والبنك أمر غير عملي نهائياً فضلاً عن خطورته.  وللأسف معدلات الإسترجاع العالية ومشاكل تحصيل المبالغ تؤدي إلى زيادة الأعباء التشغيلية على شركة التوصيل فبتالي ترتفع تكاليف الشحن والتوصيل على العملاء والمتاجر فضلاً عن أن الخدمة لا يمكن أن تكون بالسرعة والجودة المطلوبة.

أما الدولة ممثلةً بجهاتها التجارية والمالية، فالدفع عند الإستلام قد يفقدها بعض الإحصاءات الدقيقة عن أحجام الأسواق المتعلقة بالتجارة الإلكترونية وأيضاً قد تفتح أبواباً لجرائم التزوير وغسيل الأموال بسبب مجهولية مصادر الأموال المحتملة من خلال الدفع عند الإستلام بصورته التي ذكرتها سابقاً.

أخيراً، أنا أدعوا الجهات المعينة وعلى رأسهم وزارة التجارة ومؤسسة النقد للمسارعة في تقديم ودعم حلول لأنظمة المدفوعات الإلكترونية وإدراج تشريعات صارمة لتنظيم الدفع عند الإستلام ومعالجة أنظمة سداد لتتناسب مع الوضع الحالي ودعم رواد الأعمال في مجال التقنية المالية لإبتكار منتجات تساهم في حل هذه المشكلة.

 

الكاتب: عبدالله السعدي متخصص بالتقنية واستثماراتها وريادة الأعمال مهتم بالتجارة الذكية والتسويق والإقتصاد الجديد. يخصص بعض الوقت للتطوع لخدمة المجتمع والاعلام .