إعادة صياغة المحتوى الرقمي، نسخ ولصق بطابع عصري

سمح الإنترنت للكثير من الأشخاص بأن يعملوا من منازلهم، تتسع دائرة المهام والأعمال التي يمكن أن يؤديها الشخص عن بعد، أصبح بالإمكان أن يحقق الإنسان دخلاً جيداً عبر النشر الرقمي، فهنالك ملايين البشر تنطلق كل يوم باحثة عن معلومة أو محتوىً مسلياً تقضي معه بعض الوقت، البعض يتوجه نحو المحتوى النصي والبعض الآخر يغوص في المحتوى المرئي بداخل متاهات اليوتيوب.




كلا الفريقين كسبان، أصحاب المواقع الرقمية وأصحاب القنوات اليوتيوبية، كلاهما يمكن أن يكسب بعض المال عبر الاعلانات، بالطبع يزيد مقدار الكسب كلما زاد عدد الزوار اليومي، وعدد الزوار مرتبط بعدة عوامل، منها جودة وكمية المحتوى، مما دفع بالكثير من أصحاب المواقع سابقاً بأن يسرقوا المحتوى النصي من مواقع أخرى، فهم يريدون ضخ أكبر كمية من المحتوى في مواقعهم كي يكسبوا أكبر قدر من الزوار ومن ثم تزيد أرباحهم.

في عصر ازدهار المنتديات، رأينا أصحاب منتديات تدفع المال لبعض الأشخاص مقابل نسخ المحتوى النصي من منتديات أخرى، دارت حرب نسخ ولص شعواء في الفضاء الرقمي، وصلت إلى حد تطوير برمجيات آلية تقوم بنسخ المحتوى بشكل تلقائي من مواقع متعددة وتضخه في مواقعها، تسرق مجهود الآخرين وخلاصة أفكارهم وتكسب المال من عرق عقولهم.

ما لبث محرك البحث قوقل أن شن حرباً عكسية على فكرة النسخ بشكل عام، فجعل أصحاب المحتوى الأصلي في المقدمة في نتائج البحث، بالطبع لم يصل إلى نسبة ذكاء 100% كي يكتشف بالضبط كل محتوىً منسوخ، لكنه يتطور ويتحسن يوماً عن يوم، والأمر يصب في صالح أصحاب المحتوى الأصلي والجيد.

العبرة في القيمة المضافة

قبل أيام كتبت مشاركة في مجتمع حسوب I/O أنتقد فيها من لا زال يستخدم هذا الأسلوب القديم في نشر المحتوى، النسخ واللصق، وكيف أنه -على المستوى الربحي- لم يعد يجدي نفعاً، فقال أحدهم ببساطة، أن التحايل على قوقل أمره بسيط، قم بإعادة صياغة المحتوى ثم انشره، ولن يكتشف العم قوقل أنه منسوخ، فبالنسبة لها -كونه آلة- هذا المحتوى المعاد صياغته هو محتوىً جديد، ليس له ما يشابهه في قواعد بياناته التي يستند إليها عند المقارنة.

نحن لا ندور في فلك قوقل، نبحث عن رضاه ونهرب من سخطة، وبالتالي لا ندور حول المكسب المادي، نحن ندور حول المبادئ أولاً، ثم حول المساهمة في تنمية حضارتنا ثانياً، تلك الحضارة التي قامت وتقوم على أساس المعرفة، نريد أن تبدع العقول وتستفيد من هذه التقنية التي أوصلت الشرق بالغرب، فتنتج المعرفة المتجددة، نريد أن نأخذ العلم الموجود ثم نبني عليه، فتخرج أفكاراً جديدة وآراءً سديدة، ثم نعيد النشر من جديد وقد أضفنا المزيد.

ليس بالضرورة أن تكون مفكراً كبيراً، أو عالماً قديراً، أي إنسان في هذا العالم له مساره الفريد في الحياة، له تجاربه الخاصة وخبراته العملية، يمكن بكل بساطة أن تكتب نصاً أو تنتج مقطعاً مصوراً يعكس تجربتك للشيء، دروس نظرية أو تلميحات عملية، أي شيء مفيد، لكنه نابع من صميم تجربتك وخبرتك، يحمل في طياته شيء نافع، يحمل قيمة يمكن أن تساهم في إثراء المحتوى الرقمي في الويب العربي.

القيمة المضافة قد تكون في رأيك حول المحتوى الآخر، في فقرة إضافية على ماهو موجود، قد تجمع عدة مصادر من عدة مواقع أجنبية فتكتب مقالة جديدة بكلماتك وتعبيرك أنت، قد تكون تبسيطاً، علم نافع في مجال تخصصك، يدخل عقلك عبر أمهات الكتب، فيخرج من بين أصابعك بطريقة سهلة بسيطة يناسب أفهام العوام، كل تلك أنواع من القيمة المضافة التي تضيفها عند إنتاج محتوىً جديد.

أشكال أخرى للنسخ واللصق

النسخ واللصق لا يتم فقط على مستوى المحتوى النصي، هو أيضاً يتم على مستوى المحتوى المرئي، ففي الآونة الأخيرة انتشرت فيديوهات كثيرة في اليوتيوب، بعض القنوات تخصصت في نشر الفيديوهات الأجنبية المشهورة، وخاصة تلك التي تعكس تجارب مجتمعية، يقوم بتحميلها ثم رفعها بإسم عربي، بعض تلك الفيديوهات حصدت ملايين المشاهدات، وكله من عرق وتعب الآخرين!!

أشخاص آخرين ينتجون فيديوهات أصلية، لكنه ببساطة يحول المحتوى النصي إلى محتوىً مرئي، النصوص والصور كلها مأخذوه من مواقع أخرى، تلك المواقع قد لا تأذن بإعادة صياغة المحتوى ونشره بصور مختلفة، لذلك فهو يعتبر انتهاكاً لحقول الملكية الفكرية.

أيضاً في عالم التطبيقات الهاتفية، لقد ظهرت طريقة جديدة في السنوات الأخيرة لإنتاج تطبيقات جديدة تعتمد على فكرة (Reskin)، أي أن يتم نسخ أحد التطبيقات المشهورة مع تغيير بعض الشكليات الداخلية ومن ثم إطلاقه في سوق التطبيقات لكسب المال من الإعلانات، الفكرة نفسها، شكل من شكل إعادة الصياغة، لا يوجد أي جديد تقدمه تلك التطبيقات، إنها ثقافة سلبية مشتركة.

لا نريد نسخ لما هو موجود، فالمحتوى الرقمي يتضخم بشكل مهول سنة بعد سنة، نريد التركيز على الجودة، لذلك؛ يجب أن نحارب المحتوى المنسوخ وأن نساهم في نشر ثقافة “القيمة المضافة”.