لماذا تنافس القطاعات الحكومية مشاريع رواد الأعمال

(1)

قبل فترة , وأثناء حضوري لأحد الملتقيات المتعلقة  بالمشاريع الناشئة , التقيت بأحد أهم المستثمرين في هذا القطاع في السعودية و الخليج العربي , وبدا محبطا بشكل كبير   من قيام عدد كبير من القطاعات و الشركات الحكومية بدور القطاع الخاص و دور المشاريع الناشئة و التي سببت على حد قوله في عزوف كثير من المهتمين بالاستثمار في المشاريع الناشئة خوفا من منافسة القطاع الحكومي لهذه الشركات الواعدة , يقول بأن هذه الجهات تحول دورها من مشرع ومنظم للقطاع الخاص إلى منافس حقيقي وخاصة للقطاع الناشئ و الواعد في البلد و أن هذه المزاحمة  غير عادلة خاصة وأن هذه الجهات تمتلك البيانات و الصلاحيات و العلاقات و المال و الغطاء اللوجستي و هذا الشيء يجعلنا كمستثمرين نتردد كثيرا في الاستثمار في عدد كبير من المشاريع الناشئة .. أوقفنا عدد كبير من استثماراتنا و قررنا التركيز على المشاريع في دول الجوار… انتهى كلامه

قبل يومين .. شاركني أحد أصحاب المشاريع الرقمية الواعدة برسالة تلقاها من أحد المستثمرين : ” نعتذر عن الدخول معك و الاستثمار في مشروعك .. مشروعك له فرصة نمو كبيرة و لكن إحدى الجهات الحكومية أطلقت مشروعا منافس لكم .. لذا نرى الانتظار إلى أن تتضح الصورة “

(2)

مشروع سلة @Sallaapp للمطور نواف حريري صاحب التطبيق الشهير مصاريف , أعلن أن تطبيق سله وصل لأكثر من مليون عملية بيع عن طريق تطبيقه الذي يساهم في توفير حلول مبتكرة للراغبين في التحول لعالم التجارة الإلكترونية , ومشروع زد Zid  المنصة الأنيقة التي تقدم خدمات متكاملة للتجارة الالكترونية بشكل مبتكر و بطريقة عملية و سهله و بالتعاون مع منصات آخرى مختصة بالتوصيل و الدفع و الشحن و خدمات الإمداد معظمها يملكها رواد أعمال سعوديون يحاولون أن يخلقوا سوقا مختلفة للتجارة الإلكترونية في السعودية . هذه المنصتين سله و زد تتنافس بشكل مباشر و غير مباشر بطريقة صحية .. لولا أن تدخل منافس آخر تمتلكه إحدى الجهات الحكومية و التي تمتلك المال و الغطاء الكبير قد يؤثر بشكل كبير على هذه المنافسة الصحية رغم أن الخبرة و الشغف تقف في جانب رواد الأعمال إلا أن هذا المنافس الجديد سيعكر هذا الجو على الأقل .. ماذا لو أن هذه الجهة الحكومية قامت بالاستثمار في منصتي سله و زد أو تهيئة  البيئة الاستثمارية و التشريعية لهذه المنصات لرفع مستوى خدماتهما و دخول لاعبين جدد من رواد أعمال جادين و مبدعين قادرين على تحسين قطاع التجارة الالكترونية في السعودية .. ؟!

(3)

قبل أيام احتفلت احدى الجامعات بإطلاق منصة تدريبية إلكترونية لتعليم المهارات و تقديم الدورات و قبلها بسنتين أطلقت إحدى الجهات الحكومية منصة دروب بميزانية ضخمة تتجاوز ألف ضعف ميزانية منصة عظيمة مثل رواق التي أسسها رواد أعمال .. خلال ثلاث سنوات فقط تجاوز عدد المستفيدين من رواق المليون و 300 ألف مستفيد و تم تقديم 500 ألف ساعة تعليمية مجانية ,, على الطرف الآخر لم تنجح كثيرا منصة دروب .. كنت أقول لو أن تلك الجهات التي صرفت و مازالت تصرف الميزانيات لمنافسة منصات محلية بموارد قليله و لكن بروح عالية .. ماذا لو تم توجيه هذا المال للاستثمار و الدعم بدلا من المنافسة و قتل حركة الاقتصاد الرقمي الذي يقوده رواد أعمال ..

جهات حكومية أخرى أطلقت منصات تقدم خدمات أنظمة المحاسبة و الموارد البشرية في منافسة واضحة لمنصات و أنظمة محلية عظيمة مثل منصة قيد و منصة دفاتر ..

الأمر تجاوز ذلك إلى إطلاق منصات خاصة بعروض التخفيضات و بالرغم من حرص الجهة المنفذة على مشاركة البيانات و فتح API ليستفيد منها المطورين و رواد الأعمال إلا أن ذلك غير عادل أيضا .. لأن الجهة المشرعة و التي تمتلك حق إعطاء البيانات و مشاركتها في منافس كبير في ذات الوقت .. لو أن الموضوع اقتصر على فتح نافذة للبيانات و إعطاء فرصة للمطورين للإبتكار دون المنافسة لكان أفضل و افضل .. و لكن ؟

(4)

خلال الفترة الماضية دار نقاش لطيف مع بعض الأصدقاء في قطاع التقنية و الأعمال , بعضهم يعمل في عدد من الشركات و الجهات الحكومية المنافسة بقوة و التي تطرح حلولا و تطبيقات تنافس بها رواد الأعمال ,بعض هؤلاء الأصدقاء كان يعلق بطريقة ساخرة على رواد الأعمال و أنهم يخافون المنافسة .. صوت آخر يرى أنه كمستهلك هو الرابح بغض النظر عما يحصل .. قبل أن يصدح أحد الأصدقاء  ليقول : “كلاما كثيرا عن الاقتصاد وكيف أن القطاع الخاص و خاصة الناشئ منه هو المحرك الفعلي لأي اقتصاد في العالم و أن برامج الرؤية تركز على دعم هذا القطاع و ليس منافسته و ذلك للتحول لإقتصاد حر و منتج قائم على الابتكار و التنوع و التقنية  و لا يعتمد على الحكومة .. ولكن كيف سيتم هذا الانتقال و القطاع الحكومي و شبه الحكومي من منظم و داعم إلى باحث عن خبطات سريعة , من مظلة تحمي و تشجع المنافسة إلى منافس يزاحم الشباب الذي يحاول أن يبني ويعمل لصناعة اقتصاد مختلف .. و المشكلة الأكبر أن كثير من هذه المشاريع الحكومية تموت و تذهب مع الوقت .. أعرف أنهم حريصين على تنويع مصادر الدخل لقطاعاتهم و التحرر من عباءة الميزانية و لكن هذا الذي يحدث سبب الضرر لكثير من رواد الأعمال و المشاريع و الذين يفكرون في الانسحاب لمكان آخر .. ” انتهى كلامه ..

عم صمت رهيب قاعة المجلس قبل أن يقوم أحد الأصدقاء بطرح سؤال يحتاج لإجابة حقيقية : لماذا لا تستثمر الجهات الحكومية و الشركات الحكومية في مشاريع رواد الأعمال الجادة أو تستحوذ عليها .. بذلك تكون وفرت الوقت و الجهد و حقق نجاح لأصحاب المشاريع و نوعت مصادر دخلها و دعمت الاقتصاد المحلي الناشئ و كسبت خبرة رواد الأعمال ؟؟

سؤال مهم و يحتاج لإجابة …