أمازون.. التكلفة، التحديات، الإبتكار.

في عام ١٩٩٤م انطلقت أمازون بأحلام كبيرة وخطوات متعثرة في بداياتها، كانت البداية صعبة في طبيعة الحال كما هو مع بقية الإبتكارات التجارية الكبيرة. بدايات انتشار خدمة الإنترنت، نشر ثقافة الشراء والتعامل التجاري عبر الأونلاين. لم تكن سهلة جدا على أمازون. ما يقارب ٢٢ عاما نضجت فيها أمازون الآن بما تراكم لديها من خبرة وتجارب وعلاقات تجارية مع مورديها والولاء الكبير الذي حصدته من عملائها. نجحت أمازون أن تكون الأخطبوط العالمي في التجارة الإلكترونية حول العالم، وإيرادات تجاوزت ١٠٧ مليار دولار لعام ٢٠١٥م وقاعدة عملاء ضخمة جعلتها في المركز الأول في أمريكا بفارق كبير عن أقرب منافسيها. حسب تقرير صادر من comScore في شهر جولاي لعام ٢٠١٦م فإن عدد الزوار الشهري لموقع أمازون بلغ ١٨٣ مليون ويأتي بالمركز الثاني موقع eBay  ١٠٧ ميلون ثم Wal-Mart ١٠١ مليون ونلحظ الفرق الكبير بين أمازون وأقرب المنافسين لها.، إلا أن أمازون كغيرها من الشركات التي تعمل في هذا القطاع، تواجه بشكل مستمر معضلة الدعم اللوجستي وتكاليفه المتناميه عاما بعد عام. لا يوجد أفضل من إيصال الفكرة من مثال واقعي يحكي التجربة، ولا يوجد شركة حول العالم يمكن محاكاة تجربتها ونقلها مثل أمازون في مجال التجارة الإلكترونية، لعدة أسباب أولها أنها من أقدم الشركات التي عملت في هذا المجال، وحجم مبيعاتها السنوية الضخمة إضافة إلى انتشارها الجغرافي مما يجعل الشركة بيئة خصبة للتعرض لكافة الصعوبات التي تواجه المبتدئين في هذا المجال في مختلف البيئات، والأهم هو الإستعراض التاريخي للبيانات، فعند دراسة حالة، كلما كان الفترة الزمنية أطول كلما زادت دقة النتائج.




– الأمر ليس بهذه السهولة:

موقع إلكتروني، وحساب بنكي ليس كل هذا ما تطلبه شركة تعمل في مجال التجارة الإلكترونية للأسف! الأمر ليس بهذه السهولة، على أن الأمر بظاهرة سهل ورخيص التكلفة لعدم وجود الحاجة لإستئجار محلات تجارية في مواقع مهمة وحيوية كما هو الحال في المتاجر التقليدية وتكاليف العمالة والرُخص وغيرها. لكن الوضع الحقيقي للتجارة الإلكترونية يتجاوز شاشة الكمبيوتر التي تستعرض من خلالها محتويات الموقع للشراء.

ـ الدعم اللوجستي .. ورم سرطاني:

تكاليف الشحن والتخزين والدعم اللوجستي أصبحت مثل الورم السرطاني تكبر مع مرور الوقت، التكلفة تزيد ولا تنقص ليس لعدم تطور الوسائل، ولكن لأن التجارة الإلكترونية تقوم على مبدأ الانتشار والتوسع الدائم وقاعدة ( لا حدود ) لجغرافية المكان، وهذا التوسع الجغرافي لا يأتي مجانا ولكنه يأتي بتكلفة وتكلفة باهضة.فحسب تقارير أمازون الرسمية كانت التكلفة الإجمالية على الشركة لخدمات الشحن والتوصيل والدعم اللوجستي خلال عام ٢٠٠٦م ٨٨٤ مليون دولار. أما الإيرادات التي حصلت عليها بالمقابل من خلال رسوم الشحن التي يدفعها العميل شاملة قيمة العضوية في خدماتها مثل Amazon Prime ٥٦٧ مليون دولار. وهذا يجعل التكلفة الصافية للشحن والدعم اللوجستي على أمازون خلال ٢٠٠٦م ٣١٧ مليون دولار. وهذا يعطي تصور أن القيمة التي يدفعها العميل مقابل التوصيل لا تغطي التكاليف الأساسية للشحن والدعم اللوجستي الذي تقوم به الشركة. المعضلة ليست هنا، المعضلة عندما نأخذ عرض تاريخي لحجم هذه التكلفة للفترة من ٢٠٠٦م وحتى ٢٠١٦م سنجد التالي:

في عام ٢٠٠٧م بلغت التكاليف الصافية التي تحملتها أمازون لخدمات الدعم اللوجستي والشحن ٤٣٤ مليون دولار و في ٢٠٠٨م ٦٣٠ مليون دولار و في ٢٠٠٩م ٨٤٩ مليون دولار. وأخذت بالنمو المطرد خلال هذه الأعوام حتى بلغت في عام ٢٠١٥م ٥ مليار دولار حيث أن التكلفة الإجمالية في عام ٢٠١٥ بلغت ١١.٥ مليار دولار بينما الإيردات التي حصلت عليها الشركة مقابل هذه الخدمة من العملاء هو ٦.٥ مليار دولار مما يجعل التكلفة الصافية لخدمات الشحن والدعم اللوجستي ما يقارب ٥ مليار دولار. أما التكلفة الصافية للتسعة أشهر الأولى من عام ٢٠١٦م فبلغت ٤.٥ مليار دولار وتبقى الربع الرابع والأخير من السنة التي تقفز فيها مبيعات الشركة بشكل جنوني بفضل الموسم الخاص باحتفالات البلاك فرايدي وعيد الميلاد ورأس السنة ما يعني أن التكلفة بنهاية العام ستتجاوز بالتأكيد حاجز الخمسة مليارات دولار بكثير.

خلال الفترة من ٢٠٠٦م وحتى ٢٠١٥م بلغ متوسط النمو للتكلفة الصافية على أمازون في خدمات الدعم اللوجستي والشحن ما يقارب ٣٧٪ نسبة نمو سنوية. وهي نسبة عالية على المدى البعيد ما يعني أن استمرار هذا النمو في التكاليف سيهدد إما فرص بقاء الشركات في المستقبل أو يزيد من تآكل هامش الربح الصافي للشركة. أمازون لديها القدرة على التعايش وإيجاد البديل تحت هذه الظروف لكن الشركات الصغيرة حول العالم التى بدأت في هذا المجال ستعاني بشكل كبير من هذه التكاليف ويجب أن تعي حجم هذه المخاطرة وأنها نقطة تحتاج للكثير من العمل لتطويرها.

– ماذا يُريد العميل؟

يمكن اختصار ذلك بأنه يريد المتناقضات! وأن يجمع بين الضديّن. فهو يريد من مقدم الخدمة أن يقوم بتوصيل الطلب بسرعة وبأرخص سعر ممكن. وهي المعادلة المستحيلة حتى الآن في عالم التجارة الإلكترونية. فكما هو معلوم لدى عملاء أمازون أن الشركة تقدم عدة خيارات مثل غيرها في التوصيل. كلما قلت الفترة كلما زاد سعر التوصيل بحكم التكلفة التي تصاحب هذه السرعة. فحسب استفتاء قامت به شركة McKinsey لعام ٢٠١٦م شمل ٤٧٠٠ عميل في ثلاثة دول الصين، وألمانيا وأمريكا حول السبب الذي يجعل العميل يختار أحد خيارات التوصيل المتاحة أمامه عند الشراء أونلاين. أجاب ٧٠٪ منهم أنهم يختارون مدة التوصيل الأقل تكلفة عليهم. و ٢٣٪ فقط اختار خيار التوصيل في نفس اليوم. وفي ذات الإستفتاء أجاب ٢٧٪ منهم أنهم لا يستطيعون الشراء أونلاين للأطعمة وما شابهها بسبب طول مدة التوصيل. و النسبة بلغت ٢٦٪ للأدوية و ٢٠٪ فيما يخص الألعاب والكتب.

فنجد أن العملاء يميلون لإختيار أرخص وسيلة للتوصيل حتى وإن طالت المدة قليلا، ولكن في أقسام معينة مثل الإحتياجات اليومية المتوفرة في السوبر ماركت لا يفضلون شرائها أونلاين بسبب طول مدة التوصيل.

– أمازون في مأزق

أمازون كعملاق التجارة الإلكترونية تسعى للتوسع بقدر ما تستطيع في تقديم خدماتها، هذا التوسع يساعدها في هدفين رئيسيين: الأول هو تخفيف التكاليف وزيادة هوامش الربح، حيث تعمد الشركات الكبيرة عادة لمثل هذا الأسلوب بحيث أن أحد القطاعات تكون هوامش ربحه عالية وقطاعات أخرى هوامش ربحها أقل فتكون القطاعات عالية الربحية تعوض ما تخسره الشركة جزئيا من القطاعات الأقل ربحية بحيث تستطيع الشركة الاستمرار في تقديم هذه الخدمات وتطويرها في المستقبل. الهدف الثاني هو أن تنويع الخدمات يجعل العملية تكاملية بين القطاعات المختلفة للشركة مما يجعل العميل يزيد من عمليات شرائه وبالتالي ضمان بقاء العميل أطول فترة ممكنة في ظل خدمات الشركة. لذا نلحظ أن أمازون توسعت من تقديم خدمات البيع لمختلف البضائع أونلاين إلى تقديم خدمات الأفلام والموسيقى وخدمة التخزين السحابية وصناعة أجهزة القراءة اللوحية كيندل وجهاز الأوامر الصوتية الجديد (ايكو) يضاف لما سبق تقديمها لخدمات جديدة من امازون برايم خدمة التوصيل السريع خلال يوم أو يومين ثم تقديم خدمة Prime Now التي تتيح التوصيل خلال ساعتين فقط. أمازون بسطت نفوذها على المبيعات في قطاع الإلكترونيات والملابس والاحتياجات المنزلية المختلفة. لكن هناك قطاع جديد تريد أن تدخله أمازون بقوة والسبب الرئيسي هو ضخامة هذا القطاع والإحتياج اليومي له وهو قطاع التجزئة (السوبر ماركت)  وتحديدا الأغذية. فحسب تقرير صدر حديثا من Cowen & Company فإن حجم مبيعات أمازون في أمريكا لعام ٢٠١٦م في هذا القطاع بلغت ما يقارب ٩ مليار دولار. وربما يبدو لك هذا المبلغ عاليا ولكنه يعتبر قليل جدا مقارنة مع حجم مبيعات قطاع التغذية في أميركا بأكملها حيث بلغت ما يقارب ٧٩٥ مليار دولار كان نصيب المبيعات منها أونلاين ٣٣ مليار دولار وأمازون كما سبق حصلت على ٩ مليار دولار فقط. وفي عام ٢٠٢١م تسعى أمازون لرفع حصتها إلى ٢٣ مليار دولار من إجمالي المبيعات المتوقعة لهذا القطاع في أمريكا والتي ستكون ٩٠٣ مليار دولار، ٧٠ مليار منها سيكون نصيب المبيعات أونلاين إجمالا. وهنا المأزق كيف تستطيع أمازون أن تزيد من حصتها في هذ القطاع تحديدا وفي ذات الوقت تُرضي رغبة العميل بإيصال الطلبات بشكل سريع وفي ذات الوقت تُسيطر على تكاليف الشحن التي أخذت بالنمو المطرد سنويا؟

– Amazon Go المنقذ؟

أعلنت أمازون قبل عدة أيام عن هذه الخدمة والتي أحدثت ضجة في الأخبار العالمية واعتبرت ابتكار جديدا في عالم التسوق. لا يخفى على العميل تضايقه من الإنتظار في طوابير المحاسبة أثناء التسوق المتكرر في السوبر ماركت. وحتى تخرج أمازون من مأزق زيادة حصتها السوقية في هذا القطاع مع ضبط تكاليف الشحن المتنامية بالإضافة إلى إحجام العملاء عن الشراء أونلاين في هذا القطاع تحديدا بسبب طول مدة التوصيل. اختارت أمازون هذه المرة أن يأتي العميل لها بدلا من أن تأتي لباب منزله كما هو معتاد منها في كل مرة. واستخدمت تقنيات متطورة وحديثة لحساب الفواتير بشكل أتوماتيكي وضمنت للعميل عدم الإنتظار حتى ولو لدقيقة واحدة وهو ما يمكن أن يشجع العملاء للتسوق لديهم بدلا من المتاجر التقليدية. ولو نجحت أمازون في ذلك فهذا يعنى أنها تخلصت بشكل كبير جدا من تكلفة الشحن وما يصاحبه من دعم لوجستي عالي التكلفة ربما يزيد من هوامش ربحها. هل هذه الفكرة جديدة؟ بالتأكيد لا، ففي بريطانيا وتحديدا في متاجر التجزئة العملاقة Tesco لديهم ذات الفكرة وبطريقة مبتكرة وتكلفة مادية أقل من طريقة أمازون. حيث تقدم Tesco خدمة مجانية لعملائها بحيث تضع رف في مدخل المتجر خاص بأجهزة محاسبة ذاتيه للعميل بحيث يقوم بالعملية بنفسه مباشرة دون الانتظار في طابور المحاسبة ويكون هذا الجهاز اللاسكي مثل ماسح الباركود صغير الحجم يمكن للعميل حمله معه أثناء التجول في المتجر وكل ما عليه هو مسح الباركود الموجود على غلاف العلبة قبل وضعه في السلة وعند نهاية تسوقه سيكون هذا الجهاز قد جمع فاتورته النهائية وكل ما عليه هو إدخال بطاقته البنكية في ذات الجهاز والدفع الإلكتروني فقط. وهي تقنية سهلة وغير مكلفة للشركة مقارنة مع التقنية المتطورة التي تقدمها أمازون والتي قطعا ستكون تكلفتها عالية مقارنة مع تجربة Tesco. ولكن يعيب متاجر التجزئة في بريطانيا أنهم لم يسوقوا لها بشكل كافي وهذه خطيئة كُبرى تحسب عليهم فهذا الجهاز الصغير ألغى تماما طوابير الانتظار وأصبحت عملية التسوق سهلة يمكن للعميل التجول في المتجر بعربته ومسح الباركود بهذا الجهاز وعند انتهائه كل ما عليه هو ادخال بطاقته البنكية فقط ويخرج بدون انتظار بدون طابور بدون محاسب وهي تماما النقاط التي ركزت أمازون عليها في تقديمها لهذه الخدمة الجديدة.

– الشراء أونلاين والذهاب لاستلام الطلب؟

أعتقد أن لدى القارئ الآن تصور عن حجم المعاناة في التجارة الإلكترونية ومحاولة كبح جماح النمو المطرد في التكاليف والسعي لإيصال الطلبات في أسرع وقت ممكن. لذلك نشأت فكرة أخرى في هذا المجال وهي الطلب أونلاين واختيار نقطة معينة للذهاب لها واستلام الطلب وعادة تكون هذه النقطة عبارة عن صناديق حديد في متجر عام أو أحد المولات في المدينة بحيث يُعطى العميل رقم سري لفتح الصندوق واستلام طلبه الموضوع له في صندوق محدد. فحسب استفتاء حديث تم في أبريل من عام ٢٠١٥م من قبل Blackhawk Engagement Solutions وجد أن ٤٥٪ من المشاركين قاموا بمثل هذه العملية خلال الستة الأشهر الماضية. بحيث يقوم بالشراء أونلاين ثم يذهب لاستلام الطلب بنفسه من مثل هذه الصناديق وهي نسبة ليست مشجعة بشكل كبير للتوسع في مثل هذا الخيار حيث تقوم عادة الشركات بتفعيل هذا الخيار كحل وسط بين رغبة العميل في الحصول على الطلب بسرعة إضافة إلى تقليل التكاليف عليها.

– البنية التحتية السبب؟

واذا كان كل ما سبق ذكره من صعوبات ونمو في تكلفة الشحن والدعم اللوجستي المتنامي لدى أمازون العالمية فيعتقد البعض أنه بسبب مبيعاتها العالمية بحكم أن البنية التحتية متطورة لدى أمريكا مما يعنى أن التكلفة ستكون أقل. لا يوجد علاقة مباشرة بين تطور البنية التحتية وتقليل التكاليف حيث أنه حسب تقارير أمازون الرسمية بلغت مبيعاتها في أمريكا الشمالية لعام ٢٠٠٦م ٦ مليار دولار بينما المبيعات خارج أمريكا الشمالية ٥ مليار دولار واستمرت المبيعات داخل أمريكا الشمالية بالنمو بشكل أكبر من عمليات أمازون في بقية الدول حتى بلغت في عام ٢٠١٥م. ٦٤ مليار دولار في أمريكا الشمالية مقابل ٥٠ مليار دولار في بقية الدول. فنلحظ أن مع زيادة حجم مبيعات الشركة في أمريكا الشمالية على مدار هذه الأعوام لم تقل التكلفة عليها في قطاع الدعم اللوجستي يضاف لذلك أن انتشار أمازون العالمي موجود بشكل كبير في دول لديها تطور كبير في البنية التحتية أمثال بريطانيا ودول أوروبا وهو ما ينفي أن يكون مستوى البنية التحتية المؤهية لمثل هذه المتاجر في هذه الدول سبب رئيسي في زيادة التكاليف وإنما يُعزز الفكرة أن الدعم اللوجستي بذاته بوضعه الحالي عالميا عملية مُكلفة وتحتاج لمزيد من الإبتكارات الجديدة والتفكير خارج الصندوق لتقليل تكلفتها.

– التفكير خارج الصندوق:

هناك حلول فردية من قبل الشركات في هذا المجال لإبتكار حلول اقتصادية فنجد أن هناك محاولات لاستخدام الروبوت في عمليات التوصيل أو استخدام الطائرات المروحية الصغيرة أيضا والتي تشبه لحد كبير الطائرات المستخدمة لحمل الكاميرات الرقمية الحديثة، وما زال المجال مفتوح لأي ابتكار حديث يمكنه من تخفيف هذه التكاليف وستكون الشركة الرائدة التي تستطيع الوصول لهذا الابتكار سريعا والحصول على براءة اختراع له يمكنها من تقديم الخدمة حصريا أو حتى السماح للآخرين باستخدامها مقابل مبلغ مالي مما سيجعلها تسبق الأخرين بخطوات للأمام.

الكاتب: أحمد الزمامي http://ahmadaziz.com/