ما الذي يدفع آبل إلى استثمار مليار دولار في شركة نقل تشاركي صينية؟

عندما يأتي الحديث عن شركة آبل وأوضاعها المالية، فإن وجود تيم كوك على رأس الإدارة التنفيذية لها كفيل بضمان وجود أرباح ضخمة جدًا، كيف لا وهو الذي حققت معه الشركة أرقامًا عالية لم تشهدها من قبل، دون نسيان الأرباح التي تم توزيعها أيضًا مع المُطورين وبعض الشركاء.

وبعيدًا عن الضوضاء الناتجة عن تراجع مبيعات هواتف آيفون لأول مرّة مُنذ إطلاق هذه الهواتف – وهي بلبلة لا معنى لها لأن الشركة باعت أكثر من 125 مليون هاتف آيفون في الربعين الماليين الأخيرين – فإن خبر استثمار مليار دولار أمريكي في شركة ديدي Didi الصينية للنقل التشاركي شكل صدمة للكثير من المُتعابعين.

بداية وباختصار، تُقدم شركة ديدي خدمة النقل التشاركي في الصين على غرار أوبر Uber حول العالم، إذا تُسيطر على ما يزيد عن 80% من السوق الصينية في هذا المجال، مع عمليات توسّع قامت بها مؤخرًا بعد التعاقد مع بعض الشركاء مثل Lyft على سبيل المثال للحصر وهذا لزيادة انتشارها حول العالم بأفضل الوسائل المُمكنة.

لكن أن تستثمر شركة آبل، المُتخصصة أساسًا في مجال الحواسب والأجهزة الذكية وأنظمة تشغيلها، في شركة للنقل التشاركي خارج الولايات المُتحدة الأمريكية على الرغم من وجود شركة أوبر هناك، وأن يكون المبلغ المُقدم ثاني أكبر استثمار لها بعد صفقة الاستحواذ على شركة بيتس Beats المُتخصصة في مجال الأنظمة الصوتية، فهنا يُفتح باب التكهنات على مصراعيه حول وجهة شركة آبل القادمة.

آبل

الاحتمالات وراء هذه الصفقة كثيرة، ويُمكن التكهن بالكثير من الأسباب بعد اختيار المُعطيات المُختلفة والتي نذكر منها وجود مشروع سرّي في آبل لبناء سيارة ذكية ذاتية القيادة، تطوير نظام CarPlay الذي يسمح بربط هاتف آيفون مع السيارات وتنفيذ الكثير من المهام، تحسين العلاقة مع الحكومة الصينية، أو كما قال تيم كوك تعليقًا على الصفقة إن هذا الاستثمار سيسمح للشركة دراسة الكثير من الأمور في نفس الوقت.

تحدثت الشائعات عن مشروع تيتان Project Titan الذي يُطوّر بشكل داخلي في آبل، حيث قامت مؤخرًا بتوظيف الكثير من أصحاب الكفاءات في هذا المجال، لكن ومع التضخم الكبير الحاصل في النظام المالي أو على صعيد التعداد السكاني في المدن، فإن تفكير آبل في تطوير سيارة ذاتية القيادة يُمكن لأي مُستخدم الحصول عليها كان وأصبح من الأمور المُستبعدة نوعًا ما.

استبعاد هذا الخيار يأتي بعد الاستثمار في ديدي، فالشركة الصينية تطمح أيضًا إلى توفير سيارات تشاركية ذاتية القيادة، بحيث لن يحتاج الشخص بعد الآن إلى شراء سيّارته الخاصّة أو التذمّر من ازدحام وسائل النقل العامة، فسيارة ذكية ذاتية القيادة تنقل أكثر من شخص تخفف الازدحام المروري أولًا، وتوفر رفاهية نوعًا ما، وأخيرًا وليس آخرًا تُريح الجميع من عناء اقتناء سيارة خاصّة.

هذا قد يعني أن خطط آبل في الفترة الحالية قائمة على التعلّم والاستفادة من تجربة ديدي من جهة، والعمل معها لتطوير سيارة ذكية تأتي حلًا للمشاكل الحالية التي يشتكي منها مُستخدمو ديدي الحاليين من جهة ثانية، وبالتالي الناتج سوف يكون نظام من تطوير آبل بعد الحصول على مُتطلبات السوق بشكل عملي من ديدي، وسيارة ذكية تستخدمها ديدي في السوق الصينية الكبيرة جدًا.

من جهة ثانية، تسعى آبل إلى تحسين علاقتها مع الحكومة الصينية خصوصًا بعد إغلاق متجري آبل للكتب والأفلام التابعين لآي تونز iTunes، فاستثمار مبلغ كبير يصل إلى مليار دولار أمريكي في شركة صينية 100% قد يُساعد آبل على تلميع صورتها أمام الحكومة، مع أخذ نقطة مُهمة في عين الاعتبار، وهي أن ديدي من أقرب الشركات إلى الحكومة الصينية؛ قبل مدّة اشتكى البعض من وجود مُضاربة من قبل خدمات ديدي على شركات سيارات الأجرة في الصين، فما كان من الحكومة إلا أن اجتمعت مع ديدي وقدّمت مشروعًا وناقشته مع بقية الشركات ونال قبول الجميع لتنظيم ثورة النقل التشاركي القادمة.

وبعيدًا عن المصالح مع الحكومة الصينية، فإن آبل قد تستفيد من دمج منصّتها للدفع الإلكتروني Apple Pay داخل خدمات ديدي لتشجيع المُستخدمين على الدفع بها، وبالتالي كسب حصّة أكبر في السوق وإحراج سامسونج التي أضحت المُنافس التقليدي لشركة آبل في كل مكان.

تيم كوك لن يستثمر مبلغًا بهذا الحجم دون ضمان الكثير من العوائد المادية أولًا والفكرية ثانيًا، ويُمكن تشبيه آبل بالحاسب الكبير وديدي بالمُستخدم الذي يُقدم الكثير من البيانات لها، ليقوم هذا الحاسب بمعالجتها وتقديم أفضل الحلول التي تُساعد في تحسين حياة المُستخدمين وتقديم فائدة لهم، ففي النهاية هذا هو الغرض الأساسي من أي تطبيق أو مشروع تقني.

التكهنات كما ذكرت كثيرة، لكنها تؤكد لنا بعض النقاط مثل اهتمام آبل في مجال النقل التشاركي والسيارات ذاتية القياة، لأن هذا المبلغ كان من المُمكن أن يتوجه نحو شركة مثل وي تشات WeChat لضمان شريحة أكبر من المُستخدمين وتحليل عادات استخدامهم للهواتف الذكية وتطبيقات المحادثة الفورية على غرار استحواذ فيسبوك على واتس آب، لكن هدف آبل في هذه المرحلة ليس عادات أو بيانات المُستخدمين فقط.

إضافة إلى ذلك، أوضح لنا هذا الاستثمار أهمية السوق الصينية بالنسبة لآبل، فلو كانت النية التعاقد مع شركة للنقل التشاركي لربما كانت الوجهة نحو أوبر أو Lyft أفضل، فالأولى من أقوى الشركات في هذا المجال حول العالم، لكن يبدو أن الاستثمار في ديدي الصينية ضرب عصفورين بحجر واحد.

وظّفت آبل منذ عامين وحتى هذه اللحظة أكثر من 1000 موظف مُتخصص في مجال بناء السيارات وأنظمتها الكهربائية، وبالتالي هُناك مشروع قائم بشكل سري دون معرفة الشكل النهائي له. وهذا يعني أيضًا، أن آبل لا تُريد الوصول مُتأخرة عند انفتاح هذه الصيحة على مصراعيها بعد عامين أو ثلاثة على الأكثر.

تعليقات عبر الفيسبوك