تقنيات غيرت حياتنا (1): شاشات اللمس Touchscreens

tablets

بإذن الله ستكون هذه المقالة هي الأولى في السلسة الجديدة (تقنيات غيرت حياتنا)، أدوات وتقنيات أصبح لها أثر كبير في الحياة التقنية وساهمت بشكل واضح في تطور الحياة البشرية ، سنطوف معكم حول تقنية أو مفهوم تقني جديد في كل مقالة ونحاول أن نستعرض تاريخها ونبسط تفاصيلها الفنية ونعدد أهم استخداماتها وتطبيقاتها.

سننطلق في رحلتنا هذه مع شاشات اللمس ، هذه التقنية التي أصبحت في كل بيت تقريباً وانتشرت حول العالم بشكل فيروسي في السنوات الأخيرة ، وأصبح الطفل لا يكاد يبلغ السنة الثانية من عمره إلا وقد خبر تجربة اللمس عبر الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية ، وأصبح مدمنا للـ(شخط) بأصابعه الصغيرة.

من المهم أن نذكر في البداية أن تقنية اللمس في حد ذاتها هي وسيلة لإدخال البيانات (Input) بينما الشاشات بشكل عام هي وسيلة لأخراج البيانات (Output) ، اما شاشات اللمس والتي هي موضوعنا في هذه المقالة فهي الشاشات التي جمعت كلا الأمرين ،، فهي وسيلة لإدخال البيانات وإخراجها في نفس الوقت ، تقوم باللمس لترسل أمر محدد إلى داخل الجهاز وتشاهد الإستاجبة الفورية على الشاشة بعد أن يرسل المعالج الأمر المناسب.

لمحة تاريخية

في البداية أود ان تشاهد لقطة من هذا الفيديو الذي عرض فيه ستيف جوبز هاتف الآيفون لأول مرة عام 2007 ، لاحظ التصفيق وأصوات الإنبهار العالية التي كانت تصدر من الجمهور عندما شاهد إمكانيات شاشة اللمس في الآيفون:

ورغم أن تقنية شاشات اللمس لم تكن من إبتكار أبل ولم يكن ظهورها الأول في أجهزة الآيفون ، إلا أن طريقة استخدام وتطويع هذه التقنية بهذا الشكل وإيجاد تطبيقات واستخدامات جديدة لتقنية اللمس هو الشيء المبتكر وهو ما فتح الباب لجيل جديد من الهواتف الذكية وعصر آخر من عصور التقنية.

تاريخ تقنية اللمس بشكل عام قديم ويبدأ من الخمسينات بحسب كلام Bill Buxton ، أما تاريخ شاشات اللمس فتقول معظم المصادر أن أول من وضع النموذج الأول لها هو (E.A. Johnson) الذي كتب عن نموذج لشاشة لمس في مقالة علمية منشورة عام 1965 ، ثم تلتها مقالات اكثر تفصيلاً ، وقد تم تطوير وصناعة أجهزة تحتوي على شاشات لمس عام 1973 من قبل مؤسسة (CERN) ، وتم بعدها استخدام هذا النموذج في مجال الملاحة الجوية وأنظمة الرادارات حتى تسعينيات القرن المنصرم.

من الاستخدامات المبكرة والمشهورة لشاشات اللمس ، هو في عام 1972 عندما قامت جامعة (Illinois) في الولايات المتحدة الأمريكية، بإدخال تقنية شاشة اللمس إلى أجهزة (PLATO IV) الذي كان جزء من أجهزة الحاسوب المخصصة للتعليم داخل الجامعة ، حيث تم استخدام الأشعة تحت الحمراء (Infrared) لتشكيل خطوط أفقية وعمودية متقاطعة ومن ثم تسجيل موضع لمسة اصبع اليد على الشاشة عبر هذه الأشعة، وتم استخدامه لأجل تسجيل إجابات الطلاب في الامتحانات ، وقد تم استخدامه بشكل واسع في تلك الجامعة في تلك الفترة حتى ذاع صيته وانتشر خبره. (الصورة أدناه لأحد هذه الأجهزة من أرشيف جامعة illinois)

في الثمانينات حدثت نقلة مهمة لشاشات اللمس ، وهو دخولها السوق التجاري ، ففي العام 1983 اطلقت شركة HP جهاز الكمبيوتر الشخصي (PC) والذي كان يحمل اسم HP 150 ، حيث كان الجهاز التجاري الأول الذي يتم تزويده بشاشة لمس ومن ثم بيعه للعامه ، وقد تم استخدام الأشعة تحت الحمراء كما هو الحال في أجهزة (PLATO IV)، طبعاً لم تكن تقنيات الجرافكس والعرض متطورة آن ذاك ، ولم تكن كذلك تطبيقات الحاسوب متعددة ومتنوعة ، لذلك فتقنية اللمس كان لها استخدامات بسيطة في تلك الأجهزة ولم تكن ذات أهمية كبيرة حيث كانت اهم وظائفها هو تحديد واختيار الأيقونات كما هو واضح في الصورة: (مصدر الصورة)

oa_touch_2

ربما كانت ساعة AT-550 التي أطلقتها شركة كاسيو عام 1984 هي أول من استخدم تقنية اللمس في الساعات اليدوية ، حيث وفرت هذه الساعة خاصية الآلة الحاسبة للقيام بالعمليات الحسابية الأساسية ، وكان يتم إدخال الأرقام والعلامات عبر لمس شاشة الساعة الصغيرة ورسم الرقم عليها (يمكنك مشاهدة هذا الفيديو التوضيحي)

طبعاً كانت النماذج الأولى من أجهزة اللمس هي أحادية اللمس لا تقبل اللمس المتعدد ، أما أول تطوير وبحث في انتاج شاشة متعددة اللمس فقد بدأ عام 1982 عندما قامت مجموعة بحثية في جامعة (Toronto) بتطوير اول نظام ادخال بشري بواسطة اللمس المتعدد باستخدام لوح زجاجي وكاميرا خلف اللوح ، وفي عام 1985 قامت المجموعة البحثية بتطوير شاشة لمس متعدد باستخدام السعة الكهربائية (capacitance) بدلاً من الكاميرات (سنتكلم عن هذه التقنية في شرح طريقة عمل هذه الشاشات).

من بعد عام 90 بدأت الأبحاث الأكاديمية في التطرق إلى خصائص اللمس والإيمائات الحركية التي يمكن تطويرها على شاشات اللمس والعديد من الأبحاث الأخرى التي تم الاستفادة منها بعد ذلك لتطوير تقنية شاشات اللمس أكثر وأكثر حتى كانت انطلاقتها القوية واستخدامها الواسع حين بدأت الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية في الظهور والانتشار.

كانت شركة سوني من أوائل الشركات التي طورت تقنية استشعار اللمس بواسطة الشحنات الكهربائية الموجود في جسم الإنسان (لكنه تطوير بحثي لم يخرج على هيئة منتج تجاري) ،، وهي التقنية التي أصبحت بعد ذلك شائعة والتي تستخدم الآن في معظم الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية ( تسمى هذه النوعية من الشاشات: Capacitive Touchscreen) ، حيث تم تطوير طاولة لمس بواسطة هذه التقنية عام 2002 وقد سميت بـ(SmartSkin) ، هذا قبل أن تطور شركة مايكروسوفت طاولة اللمس الخاصة بها ببضع سنوات، شاهد الفيديو التالي لشاشة SmartSkin من شركة سوني:

في تلك الأثناء كانت الأبحاث والدراسات تتطرق إلى حلول لمعالجة صعوبات ومشاكل اللمس ، فمثلاً في هذا الفيديو يتم عرض مشروع بحثي تم تطويره عام 2006 بالشراكة بين جامعة كولومبيا وشركة مايكروسوفت لإيجاد حلول لبعض صعوبات اللمس بواسطة اللمس المتعدد وبعض الإيمائات الخاصة.

اما الفيديو التالي فهو يعرض ما توصلت إليه بعض الأبحاث عام 2005 في جامعة (Brown) من أجل تطوير تقنية اللمس المتعدد لاستخدامها في تحريك الرسوم والمتجهات الثنائية على الشاشة:

بعدها بسنة فقط (في 2006) ، قام Jeff Han بعمل عرض لشاشة متعددة اللمس في TED ، وقد عرض عدة خصائص وإيماءات لهذه الشاشة أمام الجمهور مثل تكبير وتصغير الصور وترتيبها ، مما أبهر الجمهور آنذاك (شاهد الفيديو في موقع TED.com)

السؤال هنا: إذا كانت تقنية شاشات اللمس موجودة ومستخدمة منذ سنوات عديدة، فلماذا كان الإنبهار كبيراً عندما أظهرت أبل هاتفها الجديد آيفون عام 2007 ؟ ولمذا بسببها اشتهرت شاشات اللمس وانتشرت حتى دخلت كل بيت تقريباً؟ الفكرة هي في ابتكار استخدامات وتطبيقات جديدة لهذه التقنية الموجودة فعلاً، شركة أبل لملمت كل هذه النتائج البحثة وصنعت منتج متكامل يحمل كل ما تم التوصل إليه ، وهذا هو حال التكنولوجيا، دائماً تبدأ من نقطة انتهاء الآخرين وتبدع في ابتكار استخدامات وتطبيقات جديدة لتقنيات موجودة فعلياً.

الصورة التالية توضح الشريط الزمني لبعض العلامات البارزة في تاريخ تطوير شاشات اللمس:

oa_touch_TimeLine

كيف تعمل شاشات اللمس

في البداية ، يجب ان نعرف ان هنالك عدة أنواع من شاشات اللمس ، لكن أشهر هذه الأنواع المستخدمة في الوقت الحالي ، هو شاشات اللمس المقاومة (Resistive) وشاشات اللمس المبنية على التكثيف الكهربائي (Capacitive).

(1) Capacitive Touchscreen

هذا هو النوع الأكثر استخداماً في عصرنا الحالي ، فهو المستخدم في معظم الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية ، فكرة هذه التقنية مبنية على الكهرباء الاستاتيكية العالقة في جسم الإنسان ، فجسم الإنسان يعتبر ناقل للكهرباء ويكتسب بعض الشحنات الكهربائية بواسطة حركتة وتفاعلية مع الأرض ، هذه الشحنات الخفيفة يمكن ملاحظتها عندما تحك أجزاء من جسمك بقطعة قماش ثم تلامس جسماً آخراً فتلاحظ حدوث صعقة كهربائية بسطية

يتم تصميم لوح شاشة اللمس من عدة طبقات تكون الطبقة العليا عبارة عن زجاج فاصل ، والسطح الداخلي موصل بجهد كربائي خفيف ، وعندما يلمس المستخدم الشاشة بأصبعة فإن الجهد الكهربائي على اللوح يتأثر بشكل طفيف بواسطة الكهرباء العالقة في أصبع المستخدم وبطريقة أو بأخرى يتم تحديد موضع اللمس بالضبط ومن ثم ترسل المعلومات مباشرة إلى المعالج في الجهاز ليتم الاستجابة الفورية لهذه اللمسة.

تتميز هذه التقنية بأنها لا تتطلب الضغط وإنما فقط اللمس الخفيف ، وأنها أكثر استجاب ويمكن تطبيق اللمس المتعدد والإيماءات الحركية على الشاشة بسهولة ، أيضاً بأن اللوح الخارجي عبارة عن زجاج عادي يحمي الشاشة الحساسة، لذلك عندما يحصل كسر للشاشة الخارجية يستمر حساس اللمس بالعمل بدون مشاكل

أما أهم العيوب فهو أنك لا تتمكن من اللمس والتحكم بواسطة ظفرك مثلاً أو قلمك العادي أو أي قطعة جماد أخرى لأنها تعتمد على الشحنات الكهربائية الموجودة في الجسم ،، كذلك لا يمكن اللمس عندما تكون اليد مغطاه (وإن كان هنالك ثمة حلول تم تطويرها للتغلب على هذه المشكلة في بعض الأجهزة) ، وعلى الرغم من ذلك هنالك بعض الأقلام الخاصة التي يمكن استخدامها في هذه الشاشات. الفيديو التالي يوضح بطريقة الرسم كيفية عمل هذا النوع بشكل مفصل وأكثر عمقاً:

https://www.youtube.com/watch?v=y9ikU-R57AU

(2) Resistive Touchscreen

النوع الثاني من شاشات اللمس هو الذي كان يستخدم في هواتف النوكيا قبل عدة سنوات وأيضاً في أجهزة أخرى من قارئ الكتب من سوني ، هذا النوع يتطلب الضغط الخفيف على الشاشة من أجل تسجيل موضع اللمس والتفاعل معه ، ليس كالنوع السابق الذي لا يتطلب الضغط وإنما اللمس ، لأن هذا النوع لا يعتمد على الشحنات الكهربائية الموجودة في جسم الإنسان.

تتكون شاشات اللمس المقاومه هذه من طبقتين منفصلتين بفراغ بسيط جداً ، عندما يضغط المستخدم بإصبعه على الطبقة الخارجية تتلامس هذه الطبقة بالطبقة الداخلية الموصلة للكهرباء في نقطة معينة هي التي تم الضغط عليها ويتم تحديد موضع الضغط بواسطة الجهاز المتحكم المرفق بالطبقة الداخلية ، ولهذا السبب فإن اللمس الخفيف على الشاشات من هذا النوع لا يؤدي إلى استجابه ، يجب ان تلمس الشاشة مع ضغط حتى ولو كان خفيفاً لإحداث التلامس بين الشاشتين.

من مميزات هذا النوع انه لا يشترط أن يكون اللمس بواسطة اصبع بشرية فقط ، يمكنك لمس الشاشة بظفرك مثلاً أو بقلم عادي أو بأي قطعة معدنية ، ويمكن اللمس وأنت ترتدي القفازات أو عندما يكون الطقس بارداً جداً ،، لكن هذه الميزة غطت عليها عيوب مهمة أدت إلى ابتعاد هذا النوع عن ساحة صناعة الهواتف الذكية ، أهمها ضعف حساسيته للمس، وأيضاً عدم دعمه للمس المتعدد الذي أصبح من الضروريات في أجهزة الهواتف الذكية ، ومن العيوب عدم وجود طبقة زجاجية خارجية لحماية الطبقة الداخلية من التلف أو ظروف الطقس، شاهد هذا الفيديو لتبسيط الأمر حول الفرق بين النوعين:

أما هذا الفيديو فهو يوضح بشكل عملي الفرق بين ثلاثة من أشهر شاشات اللمس المستخدمة حالياً

استخدامات شاشات اللمس

وأخيراً، فتقنية شاشات اللمس قد دخلت إلى العديد من المنتجات ، ليس فقط في الهواتف الذكية والكمبيوترات اللوحية، بل في غيرها من المنتجات والأجهزة ،، نذكر منها على سبيل المثال:

(1) الساعات الذكية: وهو من الأسواق الحديثة التي تزدهر يوماً بعد يوم وتتنافس الشركات في تطوير ساعات أفضل ، طبعاً هذه الساعات تعتمد على تقنية اللمس في عملها ، وهي ساعات تؤدي بعض الوظائف وتشغل بعض التطبيقات المخصصة وتحتوي على نظام تشغيل مخصص.

(2) الطاولات التفاعلية (interactive table): وهي طاولات يتفاعل معها المستخدم بواسطة اللمس، يمكن استخدامها لإدارة الإجتماعات في الشركات وكذلك في المطاعم والمقاهي وحتى في المنازل ، من أمثلة هذه المنتجات جهاز SUR40 من سامسونج والتي استخدمت فيه تقنية PixelSense من شركة مايكروسوفت.

(3) الأكشاك التفاعلية: وهي أكشاك عامة توضع في بعض الشوارع او المعارض أو الصالات من أجل تقديم بعض المعلومات للمستخدمين أو القيام ببعض المهام الصغيرة مثل بيع التذاكر وقد تستخدم لبيع بض المنتجات الصغيرة (إقرأ عنها أكثر) (مصدر الصورة):

oa_touch_3

(4) أجهزة الصرافة الآلية ATM: حيث ظهرت بعض هذه الأجهزة الجديدة التي تستخدم تقنية اللمس بدلاً من الأزرار العادية بجانب الشاشة ، ومنها ما تنتجه شركة Diebold

والعديد من المنتجات الأخرى ، منها ما هو متخصص لإنجاز أعمال محددة وتحت ظروف معينة مثل منتجات شركة juniper ، ومنتجات الرسم من شركة wacom ، وأجهزة Lemur المتخصصة في التحكم بالصوت، وغيرها من المنتجات.

 مصادر ومراجع:

  • ѦՊԻ

    شكرا على المقال

    • Omar Alhamdi

      العفو اخي الكريم

  • مقال رائع ، لم اشعر بالملل اثناء قراءة المقال مثل هذه المقالات تغنيك عن قراءة كتب 🙂 واصل اخي عمر 🙂

    • Omar Alhamdi

      اشكرك أخي الكريم على هذا الثناء الجميل

تعليقات عبر الفيسبوك