اقتصاد العربة، نهاية لأزمة البطالة ..

مع التوسع العالمي والعولمة والاقتصاد الحُر، ومع الازمات المالية والاقتصادية المتكررة من حين إلى آخر، ارتفع عدد الناس الذي لا يجدون وظائف، وظهور مفهوم اقتصادي جديد عٌرِفَ بمسمى “اقتصاد العربة” كترجمة لمصطلح “Gig Economy”، فما هو اقتصاد العربة؟ وإلى أين يقودنا ؟!

لنضعها كالتالي: منذ زمن وقبل الثورة الالكترونية، وُجِدَ البائع المتجول على عربة يبيع من خلالها مُنْتَجاته، أو يُقدم لزبائنه خدماته (إن كان يبيع خدمة ما)، وبالتالي فهو ليس موظف بدوام كامل ولا يلتزم بمحددات الوظيفة، بالإضافة ان المستفيد من هذا البائع غير ملزم بتوظيفه، وتنتهي العلاقة بينهما بانتهاء شراء المُنْتَج قيد عملية التبادل،، بسيطة أليس كذلك، وكلنا نعرفها.

وقد تم استعارة كلمة “عربة” أو (gig) أو “إزعاج” كترجمة حرفية لها، من صناعة الموسيقى، حيث كان أصحاب عربات البيع يستخدمون موسيقى قد تكون في بعض الأحيان مزعجة للترويج عن مُنْتَجاتهم، وقد أشار الكثير من الاقتصادين إلى سبب نمو هذا النوع من الاعمال وبشكلة الجديد إلى تسريح الموظفين والعمال الكبير والمتكرر بسبب الازمات الاقتصادية، بالإضافة للبحث عن تقليل النفقات مع تنفيذ المهام أو الوصول لأهداف الشركات بأقل التكاليف.العمل الحر

إذاً فهذا المصطلح يصف المُستقلين المُتعاملين من خلال منصات العمل الحُرّ (free lancers) الذي يقدم ويبيع مُنْتًجاته بحسب الطلب، وبدون التقيد بوظيفة من قبل صاحب العمل.

ليس عيب ولا خطأ في وصف العمل الحُر بتجارة أو إقتصاد العربة، ولا يُنْقِصْ من قدر هؤلاء في شيء، فقط هو مصطلح يصف الوضع العام لمثل هذا القطاع الاقتصادي الكبيرة.

وبالتأكيد إستفاد هذا القطاع من التجارة الالكترونية وبشكل كبير، ونستطيع ان نقول ان اقتصاد العربة (الاعمال الحُرّة) اعتمد بشكل أساسي على التجارة الالكترونية وعلى منصات تنظيم هذه الاعمال او الاقتصاديات.

وتقوم منصات الاعمال الحُرّة مقام العربة أو الموسيقى التسويقية لجميع المتعاملين من خلالها،

هناك الكثير من منصات الاعمال الحُرّة عالمياً، ومحدوديتها عربياً، حيث نستطيع ان نحصر المنصات العربية في 9 منصات عمل حُرّ تقريباً، تختلف بحسب نوعية وتخصصية المُنْتَجات والخدمات المتبادلة فيها وكذلك طريقة وأساليب وقواعد التعامل من خلالها، ومن أشهر منصات العمل الحُرّ والتي تُطَبِق أيضا نموذج المدفوعات الصغيرة،، منصة “خمسات للخدمات المصغرة“ التي تُعتَبر الرائدة العربية في صناعة اقتصاد العربة ودمجها بفكرة المدفوعات الصغيرة الجديدة في المنطقة العربية، وعلى النقيض من ذلك نجد منصة “مستقل”، (منصة العمل الحر للمُستقلين العرب)، والتي تعتمد ميزانيات غير محدودة أو مصغرة للمشاريع، وبالتالي طبقت منظور اقتصاد العربة مع حرية تحديد حجم المدفوعات، وكانت ايضاً الأولى عربياً في تطبيق هذه التوليفة.

دخلت مؤخراً عدد محدود من منصات العمل الحُرّ إلى السوق العربية، ولا مجال للمقارنة بينهم هنا ولكن هناك عامل مشترك بينهم جميعاً وهو ان تاريخ بداياتهم كانت بين عامي 2013-2014، مثل: كروة / المحترفون العرب / مكتبي / Golancing.

انتهينا هنا من توضيح اقتصاد العربة، ولننتقل إلى توضيح المدفوعات الصغيرة.

تحريك الاقتصاد عبر المدفوعات الصغيرة:

ما هي المدفوعات الصغيرة؟ المُسمى أغنى عن التعريف، ولكننا نُعرفها بالمعاملات المالية التي تنطوي على مبلغ صغير جدا من المال (قد يبدأ بـ 0.00001$)، وتحدُث عادة وفي غالب الأحيان عبر المعاملات الالكترونية في الانترنت، وكان أول ظهور لنظام التعاملات المصغرة عام 1990 ومن ثم ظهر الجيل الثاني منها عام 2010.

تتحقق الأرباح عبر المدفوعات الصغيرة بتحقق المبيعات الكثيرة (تكرار البيع) من ذلك المُنْتًج الرخيص، وهي قاعدة مالية معروفة، حيث ان زيادة حركة المبيعات (عدد كثير) بثمن قليل يحقق الربح (السعر الرخيص + الكم الكثير = الربح)، ويجب تطبيق هذه القاعدة بحذر شديد خاصة عند إستخدامها مع المنتجات الحسّية (الملموسة)، فيلزم إحتساب نقطة التعادل مقابل عدد حركات المبيعات بذلك السعر الرخيص بدقة، ومدى إمكانية تحقيق ذلك العدد المطلوب عند تلك النقطة.

المدفوعات الصغيرة
المدفوعات الصغيرة

قد يختلف ذلك الحذر في تطبيق تلك المعادلة او الاستراتيجية مع المُنْتَجات الرقمية (الالكترونية)، حيث ان إنتاج ذلك المُنْتَج يتم لمرة واحدة، وتقل فيه تكاليف الإنتاج إلى أدنى مستوياتها، وبالتالي فتكرار مبيعات ذلك المُنْتَج يكون ربح صافي تقريباً، وكلما قلت قيمة المُنْتَج زاد التشجيع على الشراء وتحقيق الربح في النهاية.

من أفضل الأمثلة الحية على هذه المدفوعات الصغيرة، وتطبيق تلك الاستراتيجية، هي متاجر التطبيقات مثل متجر آبل أو متجر قوقل، حيث الكثير من التطبيقات الرائعة ولشركات كبيرة تبدأ بقيمة (0.99$) أي اقل من دولار واحد، ولكن هذه التطبيقات تُحقق أرباح بالمليارات. ومثل آخر على ذلك، الألعاب الالكترونية التي يقوم اللاعبين بشراء مميزات أو مستويات ضمن اللعبة وبسعر قد لا يُذكر أحياناً، وتستمر هذه الألعاب بالنجاح وتحقيق الأرباح. نذكر أنه وبحلول عام 2017 ستصل قيمة سوق الألعاب الالكترونية الخاصة بالمحمول فقط إلى 100 مليار دولار تقريباً، وان حجم إنفاق اللاعبين فيها سيكون 24 مليار دولار لنفس العام.

إذاً فتطبيق قاعدة المدفوعات الصغيرة يشجع ويزيد في دورة الحركة الاقتصادية العامة لأي مجتمع.

العمل الحُرّ مُنْقذاً للركود الاقتصادي والبطالة؟:

يرى كثير من مشجعي استراتيجية المدفوعات الصغيرة ومحركي اقتصاد العربة أنهما أفضل طرق التعافي من المشاكل الاقتصادية، وتُشَجِّع على إنتعاش حركة التجارة بشكلها العام.انطلاقة

في زمن الركود الاقتصادي تقل الاعمال وبالتالي يقل الدخل العام للفرد وقد يصل إلى أدنى حدوده، وبالنظر إلى سلسة العرض والطلب والقوة الشرائية، ومهما كان مقدار الطلب، وحجم العرض في السوق فلن يستطيع الكثير من الناس الشراء بسبب البطالة وضعف القوة الشرائية، وأياً كانت نوعية المُنْتَجات ستضل المبيعات في أدناها، وينتظر أصحابها انتعاش الاقتصاد (قد تطول فترة الانتظار) حتى تعود القوة الشرائية ويعود الناس للتبضع.

ومع استراتيجية المدفوعات الصغيرة وفكرة اقتصاد العربة (العمل الحُرّ)، استطاعت كثير من المجتمعات تخطي عائق البطالة والركود الاقتصادي وبنسب كبيرة، ويتم العمل بها حتى بعد التعافي الاقتصادي بسبب نسبة النمو المشجعة لهذا القطاع.

فالمُنْتَج الذي يقدم نفسه بأقل سعر (قد يكون سعر تافه في عين المشتري) حتى ولو كانت القوة الشرائية في أدنى حدودها، سيُشَجِّع على الشراء وبدون تردد، لأن المشتري سيجد ان لا تأثير يُذكر عند عكس ذلك المبلغ البسيط على مجمل ميزانيته الشهرية، وبالتالي سيكون من السهل جداً إتخاذ قرار الشراء وبدون تردد.

بالتأكيد يدخل قرار الشراء البسيط ذلك في الدورة الاقتصادية، وتزداد الاستفادة كلما تكرر الشراء بسبب رخص الثمن، وهنا نجد ان حركة الإنتاج والمبيعات والتبادل التجاري ارتفعت واستفاد الجميع في الأخير.

نلاحظ ارتفاع عدد المشاريع الصغيرة والمتوسطة الناجحة التي تُطبِق اقتصاد العربة وتعتمد على الاعمال الحُرّة والمُستقلين، بل ويكثُر عدد المتعاملين من كلا الطرفين (بائع ومشتري)، وقد نلاحظ ان البائع يتحول في نفس اللحظة ومن خلال نفس المنصة إلى مشتري وبدون تردد لأنه لمس الفائدة منهما، وأصبح يُقدم خدماته ضمن حدود المدفوعات الصغيرة التي إشترى بها في وقت ما.

لا ننسى فائدة كبيرة جداً يقدمها الانترنت لقطاع اقتصاد العربة، والذي ينعكس إيجاباً على الاقتصاد العام دون تحفظ أو إستثناء (عالمي، إقليمي، أو محلي)، هذه الفائدة تتمثل في العالمية وتخطي الحدود دون قيود ولا مخاوف، وبالتالي سوق أكبر للعرض والطلب، وتعاون وتجارة بين جميع المجتمعات.

الرابط بين اقتصاد العربة والمدفوعات الصغيرة:

إن الرابط بينهما قوي ومتلازم، بل ولا مفر منه.

نلاحظ إستخدام استراتيجية المدفوعات الصغيرة في جميع منصات العمل الحُرّ أو المتعاملين فيها وبمستويات مختلفة، كل بحسب نوعية الخدمة واستراتيجية المنصة التي يعمل من خلالها المُستقل أو المنفذ للمشروع.

على سبيل المثال، في منصة خمسات، تُقَدَّمْ جميع الخدمات والمشاريع بقيمة ثابته وهي 5$ وكيف ما كان حجم المشروع، يشابهه في ذلك الموقع العالمي الإسرائيلي (fiverr) (المؤسسان وأغلب فريق العمل من اسرائيل)، أما في موقع “fivebucker” (الاجنبي) فجميع ما يُباع فيه بـ 5$.

كثير مِنْ مَنْ يعملون في اقتصاد العربة، واقصد هنا المُستقلين وأصحاب العمل الحُرّ، يستخدمون منصات تنظيم الاعمال بشكل أو بآخر، ونلاحظ في ذلك انهم يعمدون لاستراتيجيات تسعيرية مختلفة، يجمع فيما بينهم فكرة الحرية وعدم التقيد بقواعد الوظيفة وأرباب العمل، وفي نفس الوقت يُحبذ أصحاب المشاريع التعاون مع هؤلاء لتوفير تكاليف المشروع بالإضافة لوجود تنافس كبير في مستويات الخدمة والجودة والسعر كذلك.

إذا فهما قرينين متلازمين (أقصد اقتصاد العربة والمدفوعات الصغيرة)، ولكننا كذلك لا نغفل عن حقيقة ان الكثير من المُستقلين المُستفيدين من اقتصاد العربة يستخدمون استراتيجيات مختلفة (من ضمنها المدفوعات الصغيرة)، وبالتالي قد تختلف قيمة التسعيرة في منصات أخرى لا تشترط التسعير المتدني الثابت (كمنصة مستقل)، ولكنها في غالبها تضل أقل من العقود المباشرة او تكاليف التوظيف الدائم.

نتائج استبيان العمل الحُرّ في منطقة الشرق الاوسط
نتائج استبيان العمل الحُرّ في منطقة الشرق الاوسط

حجم العمل الحُرّ واقتصاد العربة:

أطرح هنا معلومتين فقط لتقريب فهم حجم هذا السوق الكبير،
1- ستكون المعلومة الأولى من السوق الغربية التي قطعت شوط طويل وبدأت في تطبيق اقتصاد العربة في وقت مبكر (امريكا بالتحديد)، حيث ذكرت نتائج مسح خاص قام به اتحاد المُستقلين (لاحظ انه أصبح لديهم اتحاد ينظمهم تحت مظلة واحده) صادر في سبتمبر 2014 التالي:

احصائيات العمل الحر في أمريكا
احصائيات العمل الحر في أمريكا
  • 53 مليون أمريكي يعملون كـ مُستقلين، وهذا يعكس نسبة 34% من حجم القوى العاملة هناك،
  • ساهم المُستقلين بما يقارب الـ 715 مليون دولار (أرباح خاصة) صُبت في دورة الاقتصاد العام.

2- أما المعلومة الثانية فتأتي من منصتين عربيتين (اذكرهما لتوفر الأرقام المُعْلَنَة)، وهي خمسات و مستقل:

  • حيث تجاوز حجم التبادل التجاري فيها عام 2013 الـ مليون دولار،
  • تجاوز عدد المُستقلين في “خمسات” الـ 300 ألف مُستقل ومقدم خدمة،
  • بعد أشهُر قليلة من انطلاقة منصة “مستقل” وصل عدد المُستقلين فيها أكثر من 30 ألف.

هذه الأرقام الممتازة لوضع سوق العمل الحُرّ العربي (ملاحظة ان هذه الأرقام لمنصتين فقط، دون معرفة بقية أرقام المنصات العربية الناشئة) تُلَخِّص الوضع المُبشر والمُشجع لاقتصاد العربة في الوطن العربي وإمكانية العمل من خلاله في الحد من البطالة وإنهائها (إن شاء الله)، ونَخْلُص إلى ان هذا القطاع ينمو بشكل سريع ويتطور بالتشجيع ووجود منصات عربية مختلفة تُنظم العمل الحُرّ فيها.

معلومة أخيرة:

أختم هنا بمعلومة جميلة، وهي أن كلمة مُستقل أو (freelance) وبالمفهوم الحقيقي لها، ظهرت منذ مئات السنين (تقريباً عام 1819) وكذلك طُبِّقَت بعض الاعمال بمفهوم العمل الحُرّ لدى المجتمعات المختلفة (بما فيهم العرب)، حيث انها في الأصل دمج لكلمتين (lance) و (free) أي “الرُمح” و “الحُرّ” أي بمعنى “الرُمح الحُرّ”، أي ان المحاربين المُرتَزَقة كانوا هُم أول من وضع مفهوم العمل الحُرّ.

شهاب الفقيه/ متخصص في التجارة والتسويق الالكتروني

@shehabalfakih

مدونة التجارة الالكترونية العربية

  • عادل

    مقال مختصر و مفيد جدا
    الصدمة كانت عند معرفة ان Fiverr موقع اسرائيلي سأقوم بتعطيل حسابي الان !

تعليقات عبر الفيسبوك