موزاييك .. أول نموذج لحاسب لوحي صناعة سورية

Mozaiek

إن الطموح والهدف الواضح لا يعرفان المستحيل، فرغم ما تشهده سوريا من صراعٍ دامي ومشاكل اقتصادية وصعوباتٍ أخرى، قرر ثلاثة طلاب من كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية؛ تخصص هندسة الحواسيب، خوض تجربة رائدة ومغامرة تتحدى الصعاب، وتضيف لهم خبرة كبيرة في مجال النّظم المضمّنة، والتي أطلقوا عليها اسم “موزاييك”؛ أول نموذج لحاسب لوحي صناعة سورية.

محمد سامر الشطة، ملهم محمود، ويحيى الطويل، هم طلاب على أبواب التخرج من جامعة دمشق، وكان موزاييك هو مشروع التخرج الذي أعد لنيل الشهادة، والذي حصل بدوره على أعلى علامة من بين بقية مشاريع التخرج في هذه السنة الدراسية؛ 2013 – 2014.

وفي حديثٍ خاص مع محمد سامر الشطة؛ أحد أعضاء هذا الفريق، أخبرنا فيه بتفاصيل هذه التجربة المتميزة، والتي تكللت بالنجاح والفائدة، وقال بأنهم استخدموا ببناء موزاييك لوحة تطويرية وهي Beaglebone Black تحتوي على الذواكر ونواة معالج ARM. وكان من المستحيل البدء من الصفر وإحضار معالج ARM منفصل عن الذواكر ومتحكم الشاشة والقيام بربطها، وذلك لأن نمط الأرجل (Pins) الخاصة بهذه الشرائح الإلكترونية ذات Package يعرف بـ BGA، ولا توجد إمكانيات لطباعة وتلحيم هذا النوع من الشرائح في سوريا ولا في الدول المجاورة، وكذلك آلات التلحيم القادرة على إنتاج دارات إلكترونية بأكثر من طبقتين، وكان خيار إرسال المخططات إلى الصين لطباعتها أمرًا مكلفًا جدًا بالنسبة لثلاثة طلاب.

وأضاف الشطة بأنهم قاموا بتصنيع الدارة الكلية، حيث تم إحضار شاشة 7 إنش من الصين ومن ثم بناء الدارة اللازمة لتتوافق مع واجهة الـ RGB الخاصة بها وربطها بمتحكم الشاشة في BBB، وتطلبت هذه المرحلة حوالي 5 أشهر من العمل المتقطع.

10341535_528395823933681_3277347215357342144_n

كما تم بناء دارة لإظهار الصوت، كون اللوحة التطويرية لا تدعم الإظهار الصوتي بشكلٍ مباشر، وكذلك بناء دارة لإدارة الطاقة؛ وهي مجموعة من منظمات الجهد المتغيرة، لتأمين جهود اللوحة التطويرية والشاشة ودعمها بمجموعة من الـ jumpers لجعلها ديناميكية في اختيار مصدر الطاقة المطلوب (شاحن أو بطارية)، بالإضافة إلى بناء دارة Debug على مستوى نظام التشغيل وربطها بمخرج USB كطرفية للوحي، وأخيرًا مجموعة من الترانزستورات للتحكم بعمل موديول الـ Bluetooth و الـ LCD.

أما بالنسبة لنظام التشغيل (سوفتوير) فقد كان له النصيب الأكبر من العمل، وبدأ الأمر بأخذ نسخة من نواة لينوكس مفتوحة المصدر وضبط إعداداتها لتتناسب مع العتاد الخاص باللوحة التطويرية التي يتم العمل عليها، ومن ثم تم إضافة ثلاثة تعريفات عليها من تطوير الفريق، الأول للتحكم بإضاءة الشاشة، والثاني يؤمن عملية التخاطب مع دارة البلوتوث، والثالث للتخاطب مع مقياس التسارع Accelerometer وقراءة قيمه لقلب الـ Frame buffer بناءًا عليه.

وأخبرنا الشطة بأنه تم بعد ذلك الانتقال لمرحلة تطوير Root file system، فاستُخدِم مشروع جديد مطروح في عالم النّظم المضمّنة يدعى Yocto Project وبناء توزيعة Angstrom بأقل قدر ممكن من الـ packages المرفقة معها، وذلك لتحقيق متطلبات المشروع بالحصول على Root file system صغير وبسيط قدر الإمكان.

وبالإجابة على سؤالنا عن سبب اتجاه الفريق إلى لينوكس بدلًا من استخدام نظام أندرويد بشكلٍ مباشر كونه مفتوح المصدر والأكثر شهرة في الوقت الحالي، أجابنا الشطة بأن نظام أندرويد المبني أساسًا على نواة لينوكس معقد من ناحية تفاصيل الإظهار، ولهذا قرر الفريق استخدام أسلوب معياري والأجدى علميًا، لإضافة خبرة لابد من وجودها، دون الاعتماد على أنظمة تشغيل مبنية مسبقًا، مع العلم أنه تم تجربة نظام أندرويد على اللوحة وعمل بشكلٍ جيد، إلا أنه لم يضيف الخبرة الكافية للفريق.

10329048_528395553933708_7569602440327105322_n
من اليمين: سامر – ملهم – يحيى

وأجابنا الشطة عن سؤالنا بالنسبة للخطط المستقبلية، وهل نتطلع قريبًا لوجود حاسب لوحي يحمل اسم موزاييك ويتم إنتاجه في سوريا، أخبرنا صراحةً بأن الهدف الأساسي من هذا المشروع ليس صناعة حاسب لوحي محلي، فالحواسب اللوحية أصبحت كثيرة ويصعب منافستها، وخاصةً تلك القادمة من الصين، وإنما الهدف هو اكتساب هذا الكم الهائل من المعرفة والغوص بنواة لينوكس ليتمكن الفريق من إنتاج منتجات إلكترونية لا تقل أهمية عن الحواسب اللوحية.

وأكد الشطة بأن لدى الفريق أكثر من فكرة يسعى لإنتاجها والعمل عليها لتصبح منتجًا يتم بيعه في الأسواق، وأحد هذه الأفكار هي جهاز يتم ربطه بالتلفاز ليصبح Smart TV، مع أفكارٍ أخرى لا تزال سرية. أما اسم موزاييك، فسيتم استخدامه في تطوير جيل جديد من الحواسب اللوحية يختلف عمّا نعرفه هذه الأيام.

وفي الختام استفسرنا عن المستقبل القريب لهذا الفريق، وهل هناك من عرض عليهم تمويلًا لمتابعة العمل والتطوير، أجاب الشطة بأن ردة فعل الأصدقاء والمعارف بمشروع موزاييك كانت حماسية ورائعة، وأعطت الفريق دافعًا قويًا لمتابعة العمل، ولكن الظروف القاسية التي تمر بها سوريا وصعوبة الحصول على الأدوات والقطع المطلوبة وارتفاع أسعارها وانقطاع الكهرباء المستمر وغير ذلك، جعل من متابعة العمل والتطوير أكثر صعوبة، كما أن الأفكار القادمة التي يطمح الفريق بالعمل عليها بحاجة إلى دعم وتمويل ومكان أكثر راحةً وأقل خطورة من سوريا حاليًا، وهناك خطط لمتابعة العمل تحت اسم الشركتين الناشئتين Brain Socket وعتاديات المملوكتين للشبّان الثلاثة.

شخصيًا، أتمنى لـ (سامر، ملهم، يحيى) كل التوفيق، وأن يحققوا ما يطمحون إليه وأكثر، وأتمنى أن نشاهد منتجًا عربيًا ينافس المنتجات الأجنبية ويضع بصمة في عالم التقنية، وآمل أن يتم دعم أمثال هذه المشاريع الريادية، التي تستحق الدعم بالفعل، كونها هي القادرة على إخراج العرب من دائرة المستهلكين فقط.