تقنيات المستقبل (4)

 

وصلنا للجزء الرابع و الأخير من السلسلة التي تناقش تقنيات المستقبل بناءاً على تقرير صادر عن مؤسسة ماكنزي، وتحدثنا في الجزء السابق عن ثلاثة تقنيات وهي التطور والجيل الجديد من علم الوراثة حيث أن السرعة التي يمكن إستخراج الخريطة الوراثية باتت أقصر و حقن الحمض النووي المعدل أصبحت أفكار قابلة للتطبيق و اليوم يمكن بتكاليف مقبولة و زمن أقصر الحصول على الخريطة الوراثية. وبعدها تحدثنا عن الحلول المتقدمة و آفاق تخزين وحفظ الطاقة الكهربائية، فالعالم متجه أكثر نحو السيارات الهجينة الكهربائية بالتالي يجب تطوير تقنيات الحفظ و البطاريات لتكون ذات كفاءة عالية لتحفظ كمية أكبر بدون الحاجة لتكبير حجمها مع تسريع مدة الشحن. وأخيراً تطرقنا إلى الطباعة ثلاثية الأبعاد والتي بدأت تغزو ليس فقط الفضولين بل حتى المصانع لإستخدام الطابعات الصناعية لطباعة الأشياء بدلاً من شرائها مصنعة.

nanotechnology

10 – المواد المتقدمة

يشير التاريخ إلى أن كل تطور في المواد الأساسية يؤدي بالضرورة إلى نمو و أثر على مختلف الصناعات، فالثورة الصناعية الثانية مثلاً تعد مرحلة من الإبتكار والتوسع وامتدت من 1860 إلى 1920 وساعدت على إستخدام تقنيات صناعة المعادن التي قدمت حديد أخف وزناً و أقسى و متعدد الإستخدامات والتي دخلت في صناعة آلاف المنتجات المختلفة وحتى الجسور وناطحات السحاب والسفن.

وعلى مر العقود الماضية قام العلماء بتطوير المواد لتكون ذكية أكثر، بحيث تنظف نفسها أو ترمم نفسها أو تعود لحالتها الطبيعية أي تحوي ذاكرة. ومع تطور تقنية النانو أصبح العلماء ينظرون في المواد بناءاً على مقياس دقيق جداً يصل إلى 1 نانو متر، وعندها يمكنهم إكتشاف خصائص جديدة لم تكن معروفة من قبل. وهذه الدقة ساهمت حالياً بتطوير عدة منتجات تقنية كالمعالجات و أقراص التخزين، و المستقبل مفتوح أمام مواد النانو لتدخل في صناعات عدة كالطب و الإلكترونيات و الخلايا الشمسية و فلاتر المياه و الكيمياء .. إلخ.

ولنعرف مدة دقة 1 نانومتر فهي تقسيم 1 متر على مليار، مثلاً سماكة شعرة الإنسان تبلغ حتى 80 ألف نانومتر.

تخيل لو أن العالم اليوم يتوفر لديه مواد متقدمة بمقاييس النانو، بالتالي يمكن لأي شخص أن يجري تشخيص طبي لنفسه بسهولة من خلال إختبار الدم و إستخراج الخريطة الوراثية التي تحدثنا عنها في الجزء السابق ثم يفحص نفسه من الأمراض وحتى الباطنة والمستعصية منها كالسرطان، ولو وجدت ورم خبيث مثلاً يمكنه أخد جرعة من مادة كيميائية نانوية تحوي مواد موجهة بدقة النانو لمعالجة هذا الورم و إستئصاله بدون التأثير على الخلايا السليمة المحيطة به.

ويمكن بالإستفادة من تقنية النانو شحن أي بطارية خلال دقائق قليلة وتدوم هذه الشحنة لأسبوع كامل، وأيضاً يمكنها تسيير السيارة الكهربائية حتى 300 كيلومتر بدون الحاجة للشحن. كما وستساهم بأن يصبح الحاسب اللوحي نحيف للغاية بسماكة الورقة ويمكن طيه، كل هذا ممكن بإستخدام مادة الغرافين وهي رقائق نحيفة للغاية من مادة الغرافيت.

industry-oil-and-gas

11- التنقيب عن النفط والغاز المتقدم

منذ السبعينيات عندما بدأت ثورة النفط قامت الدول والشركات النفطية حول العالم بالتفكير في مستقبل إستخراج والتنقيب عن النفط وكانت إحدى الإجابات هي بالبحث عن طرق جديدة للوصول إلى الوقود الأحفوري، وبعدها بأربعين سنة بدأت تثمر تلك الأفكار من خلال الحفر العمودي أو التحطيم الهيدروليكي وهي الطرق التقنية المستخدمة للوصول إلى الإحتياطي في باطن الأرض كالغاز الطبيعي و النفط.

ويستخدم اليوم الحفر العمودي و التحطيم الهيدروليكي معاً للتعغلب على تحديات إستخراج النفط والغاز القديمة. وهذه المواد موجودة على مسافات بعيدة في عمق الأرض حتى أعمق من الإحتياطيات النفطية والغازية، ولأن نفاذية الصفيحة التي تفصل ما بين الإحتياطيات و النفط والغاز في الأسفل منخفضة بالتالي تمنع تدفقه للأعلى، لذا يتم ضخ كميات كبيرة تصل إلى ملايين الليترات من السوائل وعادة ما يكون ماء ممزوج معه بعض الإضافات لتطبيق ضغط عالي يدفع الصفيحة بأن تتحطم بالتالي يخرج النفط والغاز.

هذه التقنيات عندما تثبت جدواها الإقتصادية بالوصول إلى كميات ضخمة من النفط والغاز لم يكن ممكناً الوصول إليها بالأدوات القديمة، يجعل الطاقة النظيفة أمر غير مفضل لأنها تصبح أعلى تكلفة من الطاقة التقليدية كالمازوت والبنزين والفيول.

Alternative_Energies

12- الطاقة المتجددة

لم تعد الطاقة المتجددة موضوع يبحث فيه في المؤتمرات العلمية و كتب الدراسة، بل أصبحت واقع نعيشه لاسيما في الدول المتقدمة التي بدأت منذ زمن تركيب الطواحين الهوائية في المحيطات و الخلايا الشمسية في الصحارى وعلى امتداد خطوط سكك الحديد و على اسطح المنازل لتوليد الكهرباء النظيفة منها بدون التأثير على البيئة وبتكلفة اقتصادية مجدية.

ومع تزايد تبني طرق توليد الطاقة النظيفة عبر الموارد المتجددة ستصبح هناك شركات متخصصة في هذا المجال كالتوليد والتوزيع وحتى تقوم ببيعها للحكومة لتوزعها على الناس عبر شبكاتها، وهذا يفتح المجال لأن يستثمر كل شخص سطح منزله لتوليد الكهرباء وبيعها للحكومة، أو الحكومة تستثمر مبانيها و آلياتها، فيمكن وضع خلايا شمسية على سقف قطار وتخزين الطاقة المتولدة منه أو إستخدامها لتشغيل إضاءة القطار وغيرها. هذا الكلام ليس خيالاً بل نحن على طريق تنفيذه ولا عجب أن دول المنطقة العربية لاتزال بعيدة عنه لرخص أسعار الوقود والطاقة المولدة بالطرق التقليدية، لكن هذا خطأ إستراتيجي حيث أن بعض الدول لاسيما الخليج تسطع عليها الشمس بشكل مجدي لأكثر من 10 أشهر في السنة، في حين أن دول أوربا وأمريكا تكون الفترة أقصر ومع ذلك بدأو بالإعتماد على الطاقة المتجددة، ويبرز السؤال الدائم .. ماذا بعد نضوب النفط؟.

حسب طبيعة كل بلد يمكن إستخدام مصدر أو أكثر من مصادر الطاقة المتجددة، فالدول التي لديها سواحل بحرية يمكن إستغلال حركة المياه تحت السطح و بناء المزارع الريحية داخل المحيط، والدول الحارة يمكنها إستغلال الشمس وخاصة في الصحارى فهي مناطق واسعة مهدورة يمكن إنشاء مزارع شمسية، والدول التي تحوي عدد كبير من السيارات يمكن إستغلال قوة الضغط التي تولدها خاصة على إشارات المرور، والدول التي يمكنها الحصول على الطاقة النووية فهي خطوة أسرع لكن مع حادثة فوكوشيما اليابانية بدأ العالم يفكر مطولاً قبل إعتماد المفاعلات النووية لتوليد الكهرباء.

اقرأ أيضاً :

تقنيات المستقبل 1

تقنيات المستقبل 2

تقنيات المستقبل 3

تعليقات عبر الفيسبوك