الببغاوات المقلّدة الناجحة – عن الإيكونومست

في عالم الأعمال، إتقان الشركة للتقليد لا يقلّ أهميةً عن إتقانها للابتكار.

التقليد في الأعمال

التقليد أمرٌ مكروه، أمّا الابتكار فمُمجّد. يتجلّى هذا واضحاً في كلام رجال السياسة وفي عدد لا يحصى من الاحتفالات التي تُمجِّد الابتكار ودوره في تنمية الاقتصاد. الشركاتُ مطالبةٌ بأن تبتكر أو تنتظر الفناء. حتى في الأفلام يُصوّر المقلّدون على أنهم أشرار. من منكم شاهد فيلم “تقليد” (Duplicity) المثير من عام 2009 من بطولة جوليا روبرتس؟ يشرح في هذا الفيلم مدير شركة “بوركت آند راندل” أهمية الابتكار عندما يبيّن سبب عدائه لشركة منافسة تحاول تقليد عقار دوائي ابتكرته شركته من المفترض أنه يداوي الصّلع قائلاً: “الشركة التي تدخل أولاً لديها فرصة تصنيع منتجها وتكرار إنتاجه مراتٍ عديدة، ولها أن تختار الأسواق التي تشاء”. لينتهي الفيلم بانتصار البطل المبتكِر على العدو المقّلد.

هذا في النظريات والأفلام، أما في العالم الحقيقي فالشركات تقلّد وتنجح. الآيبود لم يكن أول مشغّلٍ للموسيقى الرقمية، وكذلك لم يكن الآيفون أول هاتف ذكي، ولا كان الآيباد أول جهاز لوحي. ما قامت به آبل هو تقليد منتجات الآخرين ثم تقديمها بطريقة أكثر جاذبية. في صناعة الأدوية هناك مقلّدون ومبتكِرون، حتى أنّ بعض الشركات المشهورة بابتكاراتها كشركة فايزر Pfizer بدأت تنضم لرحاب المقلِّدين مع مشاريعها الجديدة لصنع أدوية نوعية لا تحمل أسماء تجارية. وفي عالم الأزياء، تمكنّت شركات الموضة السريعة من بناء إمبراطوريات من خلال تقليد ابتكارات عروض الأزياء العالمية. دعونا لا ننسى أيضاً صناعةً تُقدّر بمليارات الدولارات تقوم فيها متاجر التجزئة الكبرى، السوبرماركت، بإنتاج منتجات خاصة بها تشابه منتجاتٍ ذات علامةٍ تجاريةٍٍ معروفةٍ، بل إنها كثيراً من الأحيان تشابهها حتى بالتغليف الخارجي.

أي أنّ التقليد بشكله المشروع أصبح رائجاً جداً في السنوات الأخيرة، يتوصل إلى هذه الخلاصة الكاتب أوديد شنكر البروفسور في الإدارة في جامعة أوهايو الحكومية في كتابه المثير “المقلّدون: كيف تستخدم الشركات الذكية التقليد للتقدم استراتيجياً للأمام” (“Copycats: How Smart Companies Use Imitation to Gain a Strategic Edge”. بين شركات ألعاب الإنترنت الاجتماعية ينتشر النسخ والاتهامات به بشكل واسع، ويُحكى أنّ أحد المدراء قال يوماً لموظف لديه:”لا أريدك أن تبتكر، فقط قلّد ما يفعلونه واستمر في ذلك حتى تحصل على ما يحصلون عليه من أرباح”. بهذا الأسلوب، حقق الأخوة  ألكساندر، وأوليفر، ومارك ساموير من ألمانيا ثروة هائلة من خلال تقليد ابتكارات شركات الانترنت الأمريكية ثم تقديمها في أسواق أخرى، مثيرين بذلك غضب أقطاب هذه الصناعة التي لطالما افتخرت بابتكاراتها. كان آخر ما قدمه الأخوة هو موقع بينزباير Pinspire ، وهو شبكة اجتماعية تماثل في التصميم والألوان والخصائص موقع بينترست Pinterest الشهير آخر الصرعات في عالم الشبكات الاجتماعية.

يبدو أن التاريخ أيضاً يقف إلى جانب المقلّدين ويعلّمنا أنهم في كثير من الأحيان هم من يفوزون في النهاية. من يتذكر الآن تشكس Chux أول من أنتج فوطاً للأطفال تستعمل لمرة واحدة، والتي قامت بامبرز بخطف بريقها؟ أو شركة وايت كاستل التي ابتكرت وجبات الهمبرغر السريعة، والتي أخذ فكرتها روي كرك، مؤسس ماكدونالد؟ هذه أمثلةٌ عرضها تيد ليفت، وهو من أوائل علماء الإدارة الذين اعترفوا بأهمية التقليد، وكان قد كتب في الستينيات أن النسخ ليس فقط أكثر انتشاراً وشيوعاً من الابتكار، لكنه أيضاً طريقٌ موثوقٌ للنمو وتحقيق الربح. فالدراسات تٌظهر أنه في أسوأ الحالات يحقّق المنتَج الجديد للشركة المقلِّدة مثل ما يحققه للشركة المبتكرة وفي بعض الحالات أفضل مما يحققه للشركة المبتكِرة، وهذا سببه أنّ المقلّدين لا يتحملون عبء تكاليف البحوث والتطوير، ولا يواجهون خطر الفشل، فهم يتعاملون مع سوق مجرَّبة تمّ اختبار المنتج عليها من قبل الشركة المبتكِرة. تُعَزّزُ هذا النتيجة دراسةٌ لبيتر جولدر وجيرارد تيلس بعنوان “Pioneer Advantage: Marketin Logic or Marketing Legend” خلُصت إلى أنّه مع مرور الوقت يحصل أصحاب الابتكار على 7% فقط من السوق التي يخلقها ابتكارهم.

وعلى الرغم من أهمية التقليد وانتشاره إلا أننا نادراً ما نرى الشركات تعترف بأنها “مقلّدة”، ولهذا أسباب عدة. منها أولاً، أن المدير ينظر إلى وصفه “بالمقلّد” انتقاصاً لذاته، وثانياً، قد يشكّل الاعتراف بالتقليد خطراً على الشركة من الناحية القانونية. آبل مثلاً تقاضي سامسونج بتهمة تقليد منتجاتها “بشكل متعمُّد” في أجهزة الهاتف الذكي والأجهزة اللوحية جالاكسي، كما أن سامسونج رفعت دعوى مضادة على آبل. (يقول البروفسور شنكر أن سامسونج تنتظر بشوق استلام النسخة الكورية من القصة المصورة “القطة المُقلّدة Copycat”  لتوزعها على مدرائها التنفيذين). ومن فترة ليست بالبعيدة أيضاً، اكتشف عضو في لجنة المحلفين أن جوجل انتهكت في بعض النواحي حقوق ملكية شركة أوراكل في مجال تقنية الجافا.

لكن حتى بوجود هذه المخاطر، لا يزال هناك مجال لا بأس به للتقليد بأمان، كما فعل جان بول جيلارد الرئيس التنفيذي السابق المسؤول عن ماركة نسبرسو، وهو نظام تحضير القهوة الذي ابتكرته شركة نستله السويسرية العملاقة وحقق لها المليارات من الأرباح. فقد قرر جيلارد العودة إلى العمل بمشروع جديد يقوم على صنع كبسولات لماكينات النسبرسو، لينافس بذلك بذور النسبرسو التي تنتجها شركته القديمة نستله، ومضى جان بول في مشروعه دون أن تستطيع نستله عمل شيء لإيقافه. فالنسخ يكون أكثر أماناً عندما لا يقوم المقلِّد باستهداف زبائن المبتكِر. مثلاً، عندما بدأت شركة الطيران ريان آير Ryan Air عملياتها مقلّدةّ نموذج عمل شركة ساوث ويست الأمريكية للطيران المنخفض التكلفة، لم تبدِ الأخيرة أي اعتراض على هذا.

لم يُنتج هنا

قلة هم أصحاب الشركات الذين يتجرؤون على الحديث عن التقييدات المرتبطة بالابتكار، ومن هؤلاء القلة كيفن رولينز الرئيس التنفيذي السابق لشركة ديل لصناعة الحواسيب الذي يتساءل: “إذا كان الابتكار سلاحاً تنافسياً قوياً لماذا إذاً لا يُترجم إلى ربحية”. أمّا معظم أصحاب الأعمال فيظلّون مهووسين بابتكاراتهم، التقليد لديهم محرّم، والموظف الذي يأخذ أفكاراً من شركات أخرى لن يمدحه أحد ولن يحصل على ترقية.

لهذا السبب نرى الشركات لا تُعير انتباهاً كافياً لإتقان فن التقليد، وقد سلّط تيد ليفت الضوء على هذا من خلال دراسة مجموعة من الشركات تعتمد في مبيعاتها على إطلاق منتجات جديدة بشكل دوري. وجد ليفت أن أيّاً من هذه الشركات لا يوجد لديها سياسة رسمية أو غير رسمية تتحدث عن كيفية التعامل مع ابتكارات الشركات الأخرى. ولهذا تجدهم بطيئين جداً في تقليدهم لابتكارات الآخرين الناجحة وتضيع عليهم أرباح لربما كانت في متناول اليد. لم يتغير الكثير منذ أيام ليفت، فعلى الرغم من انتشار النسخ بشكل واسع إلا أن قلة فقط من الشركات تنفّذه بكفاءة. يرى السيد شنكر أن الشركات الأمريكية على وجه الخصوص مهووسة بالابتكار، أما الشركات الأسيوية فقد أبدعت في التقليد بطريقة قانونية، مثل شركة باناسونك التي كان لشركتها الأم ماتسوشيتا اسم مستعار هو maneshita denki، أي “إلكترونيات تم تقليدها”.

لا شك أن المبالغة في التقليد مؤذية للمجتمع بأسره. عبّر جوزيف شومبيتر عن قلقه من أنّ المبتكرين إذا لم يستطيعوا تحقيق ربحٍ كافٍ من ابتكاراتهم فإنهم سيبدؤون بتخفيض إنفاقهم على تطوير منتجات جديدة، لأنّ المقلدين يسرقون جزءاً كبيرا ًمن الأرباح منهم (وهذا ما يبرر بالتالي إعطاء المبتكرين احتكاراً مؤقتاً لابتكارهم في شكل براءة اختراع). لكن الشركات لا تبالي بكل بهذا، فالتقليد موجود، ومستمر، وهو يحسّن قطاع الأعمال في النهاية.

نُشرت النسخة الإنجليزية من هذا المقال في عدد 12-18 مايو 2012 في مجلة الإيكونومست البريطانية، وهي مقالة في قسم شومبيتر Schumpeter الأسبوعي الثابت في المجلة والذي بدأته الإيكونومست في عام 2009 تخليداً لذكرى جوزيف شومبيتر عالم الاقتصاد الشهير.

والآن ما رأيكم؟ هل التقليد مهم كأهمية الابتكار؟ أليس التقليد استراتيجية ناجحة تعتمدها كبرى الشركات في العالم؟ كيف يجب على الشركات التعامل مع  ابتكارات المنافسين؟ المصدر: مشابك

مصدر الصورة والمقال باللغة الإنجليزية

.