الإنترنت، عالم الأفكار 3-3

computer_brain

يتدرج كل من الفرد والمجتمع عند بن نبي ليصل لذروة هذه العوالم: الاهتمام الفعال بعالم الأفكار، وعندها فقط يحق له التربع على عرش الحضارة. وكما يتميز الإنسان بقدرته على التفاعل والتعلم داخل الحيز الاجتماعي؛ فإن الإنترنت وفر له بيئة مناسبة تحمل خصائص جديدة من حيث سرعة الانتشار، التنوع، سهولة الوصول. إذ نجد مثلًا، أن الإنترنت كسر احتكار التعليم الجامعي وتغلب على المراكز التدريبية بسبب خصائصه هذه والتي تتاح لكل من لديه قابلية التعلم أو التعليم. كما أنها تنقل الفرد من طور التعلم الفردي إلى طور التعلم الاجتماعي وبدل أن تتركه متعلمًا سلبيًا فهي تدفعه للمشاركة الفعالة ولعل تفوق ويكيبيديا في تغيير “مفهوم الموسوعة” بحيث يتدخل الفرد في محتواها، من أبرز نجاحات هذه الخاصية.

يقول أمبرتو إيكو: “الأولوية للتثقيف الإلكتروني ، لأننا فقدنا مع الإنترنت مفهوم الأستاذ ، أي الموجّه أو المرّبي. و التثقيف و الفلترة التي أعنيها في هذا العالم: تتمثّل في تعزيز ذكاء المبحرين في هذا العالم.” وهي شهادة من فيلسوف وناقد كبير يعيش بيننا اليوم ويشترك بفاعلية في هذه العملية التثقيفية ويبشر بها. وهذا التصرف الكبير من إيكو يجرنا لقراءة الموقف الثقافي العربي من الإنترنت، حيث يشهد -في الآونة الأخيرة- إقبالًا كبيرًا من مثقفي العرب إلا أنه إقبال سطحي ولم يتجاوز حدود التواجد. وهذه السطحية في الاستخدام تُعزى لأمرين: الأول أنهم جاؤوا لاستخدامه متأخرًا، الثاني أن تعاملهم مع الإنترنت منحصر بالشبكات الاجتماعية. فالأول يدل على أنهم وصلوا لتقبل الإنترنت بفعل تأثيراته ولم يساهموا من قبل في صنع هذا التأثير. أما الثاني فواضح أن هدفه مجرد تحقيق الضمان الجماهيري ولعل هذه النقطة أيضًا تسجل ضمن إخفاقاتهم ليس في تكوين قاعدة جماهيرية والتواصل مع الجيل الأهم وإنما في أنهم استخدموه للتواصل فقط، أي ليسمع الشباب صوتهم بينما ظل الصوت هو الصوت والسامع هو السامع ولم يرتقوا باستخدامهم للإنترنت من مرحلة التواصل (عالم العلاقات) لمرحلة التأثير (عالم الأفكار). فمثلًا لا نجد أيًا منهم اتجه للتدوين، أي لبيئة تسمح بنشر الأفكار وتلاقحها. وهنا يجب الإشارة لتجربة الدكتور عبدالله الغذامي حيث كان المثقف الوحيد -حسب علمي- الذي اهتم بمسألة مناسبة الخطاب حتى جعلها شرطًا لنجاحه ورضاه عن نفسه في الاستخدام -رغم وصوله المتأخر-

لنعد لما يفعله الإنترنت: التثقيف الإلكتروني على حد تعبير إيكو أحدث تطورا مهمًا في مفاهيم أساسية كالقراءة والتعلم. بمعنى أن مجتمعاتنا التي اتهمت بعدم إقبالها على القراءة وهو اتهام منصب على الشكل، أثبتت أنها قادرة على قراءة المئات من الصفحات يوميًا، لكن ماهو محتواها؟ كيف تقدم؟ هذا ما يهتم به عالم الأفكار وهو ما سأناقشه في ضوء الإنترنت.

هذه المفاهيم (ولعل أهمها مفهوم القراءة) تغيرت بمصادر المعرفة الجديدة والتي يتميز التدوين من بينها لأسباب عديدة. عندما بدأ التدوين كانت هناك جدية فيما يُطرح، كما أنه بدأ متنوعًا حتى شمل المذكرات اليومية. لكننا قبل فترة قريبة شهدنا ضعفًا في الإقبال عليه (قراءةً وتدوينًا) وبشهادة عدد من المدونين والذين يعزون الأمر في كثير من الأحيان لانصراف القارئ والمدون إلى استخدام الشبكات الاجتماعية حيث السهولة والسرعة المتناسبتين مع إيقاع العصر. لكن الانغماس في معمعة الشبكات أدى بدوره لتوضيح مكامن الخلل فيها بعدم ملاءمتها لعالم الأفكار، مما انعكس إيجابيًا على التدوين؛ حيث الوقت متاح للتفكير والمراجعة والإثبات مما يكسب تلاقح الأفكار بعدًا جديًا وأكثر عمقًا. العودة للتدوين ليست منحصرة في المدونات المتخصصة والموجهة وإنما تشتمل أيضًا على الخبرات البسيطة والتي يشكل تداولها -عبر مميزات التدوين- تأثيرًا فارقًا في المتلقي.

من ضمن نقاط القوة التي تحسب للتدوين هو ما قاله إيكو عن الإنترنت عمومًا وهي منطبقة على التدوين لحدٍ كبير مما أجبرني على إدراجه رغم طوله النسبي:

“الإمكانية التي يوفرها للإنسان عندما يكتب، من أن يوظف ويمزج كتابات سابقة (وهو ما كنا نسميه في الماضي بالملاحظات والجذاذات)، ومن أن يقوم بنقل كتل من المعلومات من أماكنها، أقول أن هذه الإمكانية تضع الإنسان دفعة واحدة في التناص اللغوي الذي هو في صميم التفكير الفلسفي لمسيرة الأدب المعاصر. ثم، ولأول مرة في تاريخ الكتابة صار يمكننا أن نكتب بنفس السرعة التي نفكر بها تقريبا، وذلك دون أن نقلق بشأن الأخطاء. وهذا التحول من الأهمية بحيث يمكن مقارنته بطريقة تسمح بتسجيل آلي للأحلام، وهذا من شأنه أن يقلب التحليل النفسي رأسا على عقب! بفضل الحاسوب يمكنك أن تسجل على الشاشة كل أفكارك حول موضوع معين آنيا. إنها الكتابة الآلية للسرياليين وقد تحققت أخيرا! فماذا يحدث إذن؟ إنك في مواجهة فكرك الخام. و يقوم الكمبيوتر بنسف هذا الستار الذي يقف، عن طريق الريشة والورق، بينك وبين نفسك. فهو بهذا المعنى روحاني. وهكذا يعيد لي حاسوبي روحانيتي الكاثوليكية كرجل تربى لدى الفرنسيسكانيين. وبديهي أن يبدو ذلك النص مثل مونولوغ داخلي لشخص مجنون. ولكن حينئذ تأتي المرحلة الثانية وهي مرحلة المراقبة العقلانية والتنقيح التي تسمح بها الآلة إلى ما لا نهاية له. فهناك إذن صراع في الكتابة بين فكري المتوحش وفكري المتحضر.”

هذا على نطاق المدون أما فيما يخص المتلقي، فمساحة التعليق وعمر التدوينة يحتمان عليه التأني قبل الكلام وهذا التأني يعود عليه وعلى تفكيره بالنفع. كذلك يشتمل على نوع من المسؤولية الأخلاقية والفكرية أكثر من تلك التي يوفرها التفاعل عبر الشبكات. بالإضافة إلى استفادة المدون والتي تتمثل في مراجعة ما كتب وفهم عقلية المتلقي مما يؤدي لقراءة أعمق لموضوعه وبالتالي يزداد أسلوبه قوة وتأثيرًا.

بقي أن أشير إلى أن الحديث عن التدوين هو حديث عن أكثر الأمثلة التي يمكن توظيفها إيجابيًا. وغير التدوين نجد البودكاست وقنوات اليوتيوب، الكتب الإلكترونية، المواقع القرآئية وتطبيقاتها، المجلات والصحف الإلكترونية. وجميعها بيئات خصبة لإثراء الخبرة البشرية وحل مشاكلها. وهذا يحفزنا على العودة للنفس الطويل في التحديث والتلقي وتنقية الذهن من الأفكار المتكاثرة في بيئة غير صحية (الشبكات الاجتماعية) والتي ينتهي وجودها وتأثيرها بعد يومين من نشرها.

مخرج

لسوء الحظ أن الإنسان هكذا، ما إن يهتم بشيء حتى يؤدي ذلك إلى الأفضل والأسوأ معًا.
جوستاين غاردر..عالم صوفي

وكما تطورت أدوات الإنسان وجرت معها خيرًا وشرًا ألصقه الإنسان بها، فإن الإنترنت ووسائل الوصول إليه تحمل في طياتها قابلية التشكل حسب الاستخدام البشري. وبما أننا على مشارف الجيل الثالث من الويب حيث ابتكارات أكثر تنوعًا وثراءً وتخصصًا، فإن من الضروري تجاوز أخطائنا مع الجيلين السابقين للويب ومن المهم أن نضع نصب أعيننا هذا التساؤل لخلق موازنة فيما بين العالم الملموس وعالم الإنترنت، الوسائل والغايات: لو انقطع الإنترنت عن العالم: ما حجم ما سنخسره؟

المصدر