عيوب التغريد\عيوب المغرد [2]

بعد أن استعرضنا العيوب الخاصة بالخطاب التويتري، نتجه الآن لنفهم بعض المساوئ التي ظهرت على حياة المغرد. وهي في الحقيقة متداخلة مع العيوب السابقة وتتعلق بالخطاب بطريقة أو بأخرى؛ فكما ذكرنا أن الأنساق تتداخل وتحدث شبكة من المفاهيم والتصورات والعيوب في الخطاب وشخصية المنتج والمستهلك لها.

عدم الفاعلية

يكاد انعدام الفاعلية في شخصية المغرد أن يكون أكثر العيوب ظهورًا واختفاءً في الوقت ذاته. فرغم كل ما يشاع من التحركات الإيجابية المؤثرة في ساحة تويتر إلا أن الواقع يثبت نقيض هذا. فهذا التأثير علاوة على انحصاره هو تأثير مبالغ فيه ويحتفي بأبسط الأشياء لإثبات نجاحه؛ فمثلا: هو حانق على الإعلام التقليدي، لكنه لا يرى بأسا من اتخاذ عناصره موادًا للنقاش في تويتر، وتبلغ حماسته ذروتها عندما تحصل إحدى القضايا على تصعيد إعلامي كان تويتر شرارته.

من هنا نجد أن ما يقوم به تويتر هو مجرد قدح الشرارة ثم يتم التخاذل عن القضية (أيا كانت) ويتم قضاء الوقت المتبقي في الفرح بهذا الإنجاز الذي صفق له الإعلام التقليدي! وفي هذه الأجواء يكتسب المغرد صفة عدم الفاعلية بالذات في حالة تآزر البقية معه وسط جو من الفرح بالإنجاز الموهوم.

كذلك هناك مسألة مهمة مرتبطة بعدم الفاعلية وتتضح في ثقافة “الفزعة” الطاغية في تويتر والمحركة لكثير من التغريدات والمغردين. فالفاعلية عند المغرد هي مجرد فزعة بدون أي تخطيط منهجي يسبقها ويتنبأ بنتائجها. وهذا يتعلق أساسًا بطبيعة القضايا المطروحة في تويتر فهي قضايا “الساعة” وليست قضية موجودة من قبل تويتر. مما يعني أن لحظية القضية وتعارف المغردين يحتم نشوء ثقافة الفزعة. هذي الثقافة تؤثر سلبًا على وعي المغرد كما مر معنا في التدوينة السابقة.

ومن المظاهر الدالة على عدم الفاعلية في شخصية المغرد: الجدل البيزنطي، ويتضح أكثر وقت التحركات الفعلية؛ فبدلًا من النزول والمشاركة (سيول جدة على سبيل المثال) كان الكثير ينظر حول المسألة، يتكلم، يحرض، ويحتسي كوب شاي في حين يعمل البعض تطوعًا أو يدون بفاعلية وينام المسؤولون عن الكارثة بأمان، لأن خصومهم وأصحاب الحق مايزالون يحتسون الشاي! طبعاً ليس المطلوب أن ينزل الكل للميدان، لكن ما أقصده هو العمل بجدية وبطريقة فعالة حتى وإن كان العمل مجرد كتابة تغريدات.

هناك سبب مهم لضعف الفاعلية اتضح لي وأنا أسمع بودكاست حلم سعودي،(حلقة الإعلام الجديد) عندما قال أحد الإخوة (لم أستطع تمييز هويته لتشابه الأصوات) في معرض حديثه عن أسباب نجاح الحملات على الشبكات الاجتماعية: “تكلفة تبني حملة في تويتر تساوي صفر” قد يكون الكلام صحيحاً نسبياً، فالسهولة تساعد أحياناً. لكن الواقع يقول (ولنأخذ الثورات العربية كأنموذج) أنه ما لم تتتم التضحية بشيء يمس الفرد، فلن يجد أدنى سبب للبقاء في صف هذه الحملة أو تلك وهذا ما يفسر كثرة الحملات وندرة التأثير.

بالإضافة لما سبق، نجد أن لضعف الروابط بين المغردين علاقة في ضعف فعاليتهم فـ”الفيسبوك وغيره من الشبكات الاجتماعية تقوم على الروابط الضعيفة التي تجمع بيننا فيها المعلومة المتاحة، بدون روابط قوية تعيننا على الثبات في مواجهة الخطر، لهذا تصلح للتنوير وليس للتغيير.”

المغرد الكسول، العجول، نافد الصبر

الطبيعة التقنية لبيئة تويتر كما ذكرنا بكل ما فيها من قصر وآنية، تساهم في خلق نوع من الكسل حيث يستغني المغرد عن الطرق الطويلة الغنية بالطريق الأقصر الفقير للوصول لغايته، فتغريدة تحمل سؤالًا تقنيًا، أدبيًا، ثقافيًا، سياسيًا، دينيًا، طائفيًا، تاريخيًا…إلخ كفيلة بضمان إجابة سريعة تعزز في المستخدم صفات الكسل، العجلة، فقدان الصبر.

لعل أكثر ما أستغربه في هذا المجال هو المواضيع التقنية والتطبيقات التي تهدف لتسهيل التغريد! إذ كبر معيار الكسل حتى صغرت معه خدمات تويتر، مما أجبر المطورين على إيجاد تطبيقات تزيد من سهولة الحياة مع تويتر!

العيش في الزمان لا المكان

بسبب تقنيات الاتصال الحديثة التي تربط العالم ببعضه محدثة شبكة من العلاقات المتداخلة والتي تعد تطبيقات تويتر إحدى أشكالها، نجد أن المغرد (كغيره من مدمني الشبكات الاجتماعية) شخصية تعيش في اللحظة الزمنية وليست البقعة المكانية، بمعنى أنه لا يدري عما يجري على الأرض القريبة منه، بقدر ما يعرف عن حياة صديقه الذي يعيش على بعد عشرات الأميال منه، وبقدر ما يعرف عن مشاعر الغرباء، أفكار فئات مختلفة جدا وبعيدة جداً عنه عبر تغريداتهم الكثيرة.

أسوأ ما يدل على هذه المشكلة، هو أن كثير من المغردين لا يستمتعون باللحظة التي يعيشونها إلا بعد تغريدها!

وهذا بكل ما فيه من عيوب وبكل ما يجلبه من مشاكل نفسية وعقلية، لا يساوي شيئا أمام المشكلة الأكثر فداحة: نسيان الذات في خضم التغريد.

الهوس بالتشفي

كثير من التغريدات تجيء كنوع من التفريغ الناتج عن ضغط الأوضاع السياسية، المعيشية، مشاكل البيت، مشاكل العمل، أو مشاكل الدراسة. وكرديف للتفريغ نجد أن التشفي سمة طاغية على هذه التغريدات. إذ يندر أن تجد عملية تفريغ للغضب دون أن يصاحبها هاش تاغ ، والهاش تاغ عملية تعزيرية حديثة يستحقها كل من يحاول الاعتداء على الحرمات من داخل سياج تويتر أو من خارجه. وهذا كله جعل من التشفي إحدى أبرز معالم الشخصية المغردة.

شروخات في الذات

الجو العام في تويتر من حيث تفاعل المغردين مع بعضهم، يجعل جزئية كبيرة منهم غير معروفة للآخرين على الأرض، ويبقى بعض المغردين مجهولين للبقية.

وبسبب نوعية المحتوى المنشور عبر التغريدات، يرسم البعض صورًا مثالية عن المغرد صاحب التغريدات النهضوية، الإصلاحية، الثورية، الأخلاقية…إلخ وبالتالي يتم التعامل مع المغرد الذي هذه صفة محتوى تغريداته على أنه “حالة” ثقافية فذة وأنه مثالي جدًا، مما يسبب إحراجًا داخليًا للمغرد والذي يعرف نفسه بكل عيوبها وينزعج من نظرة الآخرين له. هذا التعارض بين النظرتين يحدث دومًا وحتى خارج تويتر وتسهل السيطرة عليه مع قليل من الخبرة، لكن حصوله عبره وبشكل دائم يصعب التغلب عليه مما يضطر المغرد للظن بمثاليته أو يحدث نتيجة عكسية؛ إذ يصبح تفكيره منصبًا فقط على عيوبه وأخطائه.

وهذا يحدث شرخًا في الذات ويزعج صاحبه بطريقة تزيد في معاناته النفسية عبر صرف اهتمامه لنواحي غير فعالة.

الأنا المحورية

من ضمن أخطر العيوب المضمرة بخطاب التغريد والتي تتعلق بالذات، نجد أن هناك توجهًا مرعبًا في الحديث عن الأنا: إنجازاتها، ما تحب وما تكره، أفكارها، مشاريعها، مهامها، وحتى أقل اهتماماتها شأنا. والمشكلة أن هذا التوجه يبدو مسوغًا ومبررًا ولا ضير منه، إذ أن حسابك ملكك أنت ومن أهم ميزات الشبكات هي حريتها، مما يعني أن المجتمع يبرر للمجتمع أخطاءه ويعززها دون أدنى التفاتة للإصلاح.

هذه الأنا تتضح في أسطول المواقع التي تتحدث عن الأنا وتضخمها: Formspring،Threewords، Sayat، فرغم سذاجة الفكرة الساعية لتضخيم الذات وجعلها محور دوران الأرض نجد أن نسبة كبيرة لا تتردد عن فتح حساب بهذه المواقع. فكونها موضة والكل يملك حسابًا هناك يخفف من الشعور بالإحراج أمام الذات وهي تسأل الناس عن رأيها بها، حتى وإن تم تمرير هذه المسألة على أنها بحث عن عيوب الذات لإصلاحها.

كذلك التعريفات التي تصاحب الاسم في النبذة التعريفية، وحرص البعض على إبراز الجامعات العريقة التي درسوا بها، وحتى الأجهزة الإليكترونية التي يملكونها والتي تشبع غرور البعض وتشعره بالانتماء، كلها مؤشرات على مدى استشراء الهوس بالأنا عند الشخصية المغردة.

الازدواجية

التواجد اليومي للمغرد يمثل عامل ضغط عليه ويلجئه لادعاء المثالية. تظهر خطورة هذه المسألة في أن المثقفين هم من يعاني منها، مما يعني أن لديهم مشكلة بين الفهم والتطبيق، فهم قراء جيدون، يحملون شهادات من أرقى جامعات العالم لكن ما يحملونه من أفكار أشبه بالمبادئ الورقية، فهم ليسوا مستعدين إطلاقا للمبادرة، فتجدهم كل يوم يتحدثون عن قضية هم أبعد الناس عن تطبيقها.

ومن أوضح الدلائل على هذا هو الديباجة المعتادة التي يستخدمها المثقفون بداية كل طرح: “أنا مو ضد(….) وماني من النوع اللي(…) بس (ويبدأ بسرد رأيه). وكأن أحدًا ما طلب منه إثباتًا على أنه ليس ضد تلك القضية وليس من ذاك النوع . ولولا هذه الازدواجية لما تضطر الشخصية لتلك الديباجة المزعجة. تقول الدكتورة مرام مكاوي في تكاثر المزدوجين:

في كل الأحوال، فإن تكاثر هذه الفئة من الناس “وليس الرجال فقط” والتي لا يتفق مظهرها مع مخبرها وسلوكها مع كلامها يعني أننا سنعيش في مجتمع من المنافقين، ويعني أيضاً أنه ستتكون لدينا صورة غير واقعية ولا حقيقية عن مجتمعنا، ففي حين نظن أنه يقفز بخطوات جبارة للأمام، فإنه في الحقيقية يراوح مكانه،

ارتباك العلاقات

بالعودة للمرة الأخيرة إلى خصائص مجتمع تويتر نجد أنها تتسبب في نشوء ارتباك في العلاقات وتحديدًا بين الجنسين. بدأت في التفكير بهذا الشكل منذ مدة طويلة حينما كرر أحد المغردين مقولة نسقية بقالب جديد: “بنات تويتر فاضيات” وبما أن هذه الفكرة منغرسة في الذات الذكورية فلا بد من حدوث ردود فعل مبنية عليها.

قبل التطرق لهذه النقطة، علينا أن نتذكر حدثًا “ثقافيًا” مهمًا حصل قريبًا، وبعد أكثر من سنة من الجملة النسقية للأخ.

قبل فترة قام أحد المغردين واسمه ذيبان (لسنا بصدد اكتشاف مدى صحة الاسم ونسبته، المهم أنها حادثة حدثت وتستحق التأمل) بتصرف جريء، فما كان من بعض المغردين إلا تسجيل هذا الحدث كهاش تاغ. بعدها قامت صحيفة أنحاء بمحادثة ذيبان والذي اعتذر وقال بأنه ظن أن تويتر كالشات، المهم في اعتذاره أنه وبدل تصحيح موقفه (لو قرر التصحيح لقوبل بالرفض كعادة المجتمعات النسقية، لكن حديثي ليس عن هذا) قرر حذف الحساب، مؤكداً للمغردين مثالية مجتمع تويتر النخبوي.

وفي فترة تسبق ظهوره كتب المدون عقبة كلامًا مفاده أن هناك من يحاول العبث بمشاعر الفتيات واستغلالهن عبر التمثيل وادعاء الفضل. وقد وافقه فيما ذهب إليه المدون أحمد العلولا، هاني السويهري،روان الخالدي، ويباب. مما يعني أن هناك مشكلة حقيقية تتمثل في ازدواجية بعض المغردين من حيث ما يطالبون به ويحرضون عليه وبين سلوكياتهم الواقعية. وهي في الحقيقة لا تشبه المشكلة السابقة المتعلقة بالمسافة الفاصلة بين الفهم النظري والتطبيق، بقدر ما هي مسألة استغلال وتشويه لقيمة المثقف وقيم الحراك الشعبي عبر الإنترنت تحديدًا. إن تويتر بالنسبة لكثير من هؤلاء يعد منصة لتجريب فاعلية أفكارهم وقابليتها للتطبيق وعند فئات مختلفة يوفرها لهم تويتر.

كل هذا جاء بالتزامن مع حذف الكثير من الأخوات لحساباتهم على تويتر. هذه المشكلة وبسبب استشرائها الفظيع وبسبب عدم التصدي لها، أفضت إلى مشكلة أكبر وهي استغلال الأزمات لتحقيق مصالح خاصة. اتضح في أزمة جدة، حيث كان البعض يكتب رقمه مرفقًا إياه بأنه مستعد للمساعدة، دون أي معلومة تثبت مصداقيته على نحو: مكان تواجده، نوع المساعدة التي بمقدوره تقديمها، حتى أني حينما قرأت بعض هذه التغريدات شعرت لوهلة أن من أطلقها يتمتع بقدرات سوبر مان!

وبعد هذه الحوادث التي لم تتعرض لردع حقيقي، وبسبب خفائها وتسترها بالعمل الخيري، نجد أن الوضع انتشر بطريقة تذكرنا برسائل البريد المعاد توجيهها، مما يعني أن كثيرًا من مشاريعنا في الارتقاء بمستوى التفاعل عبر الانترنت تتمثل المقولة الشهيرة: مكانك سر.

بعد كل هذه المشاكل: مالحل؟

حذف المغرد لحسابه ليس بحل (وإن كان له ما يبرره)؛ فإن أراد التخلص من عيوب مجتمع تويتر فسيجد أنها عيوب مجتمع الواقع ذاتها، ومالم يواجهها بشجاعة هناك فلن يتخلص منها هنا.

الحل ببساطة يقتضي التواجد الفعال سواء بالتغريد المنضبط أو التفاعل المثمر، وبالتنبه للعيوب والابتعاد عنها. تويتر بيئة مناسبة للتنوير وعلى المتواجدين التنبه لهذه المسألة واستغلالها.

مصدر الصور: 1، 2

  • خالد

    حقيقة مقالات رائعة وتحمل الكثير من الافكار والتحليل الموضوعي, والتي انتزعت احترامي واجبرتني على التعليق. ساتناول نقطتين اتوقع انها مهمة من عرض النقاط التي كتبتها…
    اعتقد ان الاشكالية ليست في التوترة بحد ذاتها وليست في شخصيات المتوترين بقدر ما انها في النسق العام او الثقافة المجتمعية, حيث تجري عملية ترسيخ السلبية المنظمة في المجتمع (من السخرية والتبعية وغيرها… كما ذكرت في مقالك) لاسباب اتوقع انها سياسية بالدرجة الاولى. بانعدام وسائل للتعبير او المشاركة في الواقع وبالتالي المسئولية عن ذلك. اذ انعدام المسئولية يؤدي الى انعدام التدقيق و التفكير المفرد الموضوعي.

    ومن ناحية اخرى وايضا كما ذكرت انها مجال للتنفيس والحرية المصطنعة (الغير فعالة) بالتالي تقع المشكلة على الكبت سواء بصورته السياسية او الجنسية (المطالبة بالاصلاح أوالعلاقات بين الجنسين…) اتفق معك تماما ولكن مع ذلك تظل ظاهرة صحية حيث تطفو المشاعر وحين يكون التعاطف هو الهدف وهو النتيجة, ولكن لا يتجاوزنا الطموح الى مابعد ذلك حيث مستوى الفعل الواقعي, كما في تجربة جدة مثلاً, حيث يكون الواقع كما قال الشاعر:
    القاه في اليم مكتوفا ثم قال له … اياك اياك ان تبتل بالماء

    في النهاية وبعد تمحيص لشبكات الاعلام الجديد وصناعة التاثير والتسويق في العصر الحالي, سنجد الكثر والكثير وربما يحتاج لمجهود لبحثه ولكن يجب ملاحظة الفروقات بين الادوات, حيث مجتمع المتوترين يختلف تماما عن الفيسبوك او الفورسكوير او غيره, اتفق حول كثير من الظواهر فيما ذهبت اليه حول التويتر ولكن ربما اتحفظ حول الفيس بوك حيث الغلبة للمحتوى وليس للنجومية الفردية… وحيث يكون المحتوى (الفكري الموضوعي سواء بشكل فيديو او نصي او غيره…) هو الذي يتم مشاركته والتفاعل معه وليس ماقال فلان وفلان … وهنا يكمن فرق اساسي جداً…

    شكرا اخت هيفاء على كتابتك

تعليقات عبر الفيسبوك