الإنسانية أولاً

alt

هيأت البرمجيات حرة المصدر (أو ما تعرف بـ Open Source) جواً من الإبداع والابتكار عبر إتاحة الفرصة بالتعديل عليها سواءً بإنتاج برمجيات مشتقة أو إعادة توزيع الأكواد وذلك من منطلق اختلاف مستوى الإدراك بين الأشخاص، حيث أن لكل شخص رؤيته الخاصة، وبالتالي تنشأ العديد من البرمجيات المثيرة للإعجاب نظراً لمهارة المبرمجين في ظل عدم وجود أي تحديد لمجالات الاستخدام.

وهي الوجه الآخر لعملة تحول الويب من مجرد مصدر للمعلومات الجاهزة إلى مهرجان للمعلومات التفاعلية، المستخدم العادي مثلاً يجد مكاناً لرأيه في أغلب المواقع التي يزورها، طريقة سهلة لتقييم ومشاركة الآخرين ما يقرأه، بالإضافة إلى بعض التفاصيل الصغيرة لكنها مؤثرة مثل إمكانية تغيير شكل الصفحة أو الألوان أو ترتيب المحتوى.

قد يكون من الإنصاف القول بأن شجرة اهتمام الويب بإنسانية المستخدم تعود في جذورها الأولى إلى ما بين 1928 – 1932، وإن كان التاريخ يبدو غير منطقي إلا أن له حكايةً غريبة: جورج إلتون مايو عالم نفس وأستاذ البحوث الصناعية في جامعة هارفارد آنذاك عُرف من بحثه الاجتماعي والدراسات التي أجراها في مصنع هوثورن لشركة ESTERN ELECTRIC CO. في شيكاغو في الولايات المتحدة الأمريكية.

وكان الغرض من هذه الدراسات هو تحديد تأثير عدد من المتغيرات المادية كالإضاءة وظروف العمل وفترات الراحة على إنتاجية الأفراد، من أهم نتائج تجاربه: معنويات العاملين ترتفع بغض النظر عن التغيرات المادية التي تحدث، وذلك يعود إلى شعور الأفراد بالرضا الذي سببه الاهتمام بهم كأشخاص فقط (الشعور بإنسانيتهم).

ربما لم يعلم مايو حينها أنه سبب في اكتشاف عظيم فهو أول من تطرق للاهتمام بإنسانية الأفراد وهو جواز المرور لكسب ولاءهم، وهذا الاكتشاف قاد لاكتشافات أخرى مماثلة عبر حقبات التاريخ المختلفة فالقناعة بإنسانية المستخدم هي التي دفعت أغلب المواقع للتحول إلى الجيل الثاني للويب.

لنأخذ على سبيل المثال: خدمة إجابات قوقل، خدمة معروف عنها بأنها غير مضمونة، أي أن الجواب الذي تحصل عليه ليس بالضرورة صحيحاً، ومع ذلك الإقبال عليها مذهل (وذلك عائد لإحساس الأشخاص بقدرتهم على طرح أي سؤال يشغل تفكيرهم) لدرجة استدعت من قوقل وضع نظام للتقييم بحسب السمعة وعدد النقاط وأعداد المتابعين ومقاييس أخرى كما هو الحال في نظام تقييم بائعي الموقع الشهير إي باي، ومن الأمثلة على يقين قوقل بأهمية إنسانية المستخدم الخانة التي عنوانها Something I still can’t find using Google ومعناها: شيء لم أجده حتى الآن على قوقل، وهي دعوة من قوقل لإشعار مستخدميها بأهمية أراءهم، لكن المستخدمين في الغالب يجيبون إجابات طريفة مثل: زوجة، مفاتيحي، السعادة، … الخ، وهي إجابات أضافت جواً لطيفاً لحسابات المستخدمين ورفعت مستوى معنوياتهم ولو للحظات.

الشركات التجارية تدفع مبالغ ضخمة (صفقات بملايين الدولارات) للإعلان وإبرام عقود شراكة بينها وبين المواقع التي تضم العدد الأكبر من المستخدمين، ومن البديهي أن العدد الأكبر من المستخدمين يتمركز في المواقع التي تلامس احتياجاتهم المعنوية، بالتالي اهتمام مواقع الجيل الثاني للويب هو الكسب المادي عن طريق الشركات التجارية والكسب المعنوي عن طريق الأفراد والمستخدمين.

إذا كنت تمتلك مدونة أو موقعاً الكترونياً فحاول تقديم خدمات بسيطة للزوار لضمان ولاءهم وعودتهم المتكررة لموقعك، ومع مرور الوقت ستأتي الشركات التجارية إليك بدلاً من أن تبحث أنت عنها، اتقن عملك واجعل تركيزك كله نحو إرضاء عملاءك.

همسة: من حسن الحظ أن التسارع الجنوني في محاولة المواقع جذب المستخدمين لها يُقدم خيارات عديدة تناسب جميع الأذواق. الصورة العامة للجيل الثاني من الويب حالياً تشبه تجمّع المستخدمين في كرنفال مجاني لاحتساء القهوة تتنافس فيه المواقع وتبدع في تقديم شتى أنواع القهوة والحلويات، وليس على المستخدم سوى الشعور بالرفاهية فقط.

مصدر الصورة: http://www.portentinteractive.com/tom/rare-earth.jpg

  • شكرا على المقال

  • جميلة المقالة (F)
    يعطيك العافية

    وكما كنت أقول دائماً الويب 2.0 أفضل إختراع مرت به البشرية .

  • توفيق

    بارك الله فيك على هذا المقال

  • Joseph ali

    أستاذة العبدان ، شكرًا جزيلا ، الصراحة ما فهمت شي ، ممكن الخلل مني او من لغتك القوية .

تعليقات عبر الفيسبوك