نقاش الانترنت والتقنية اللانهائي مع والدي

منذ أن عرفت الإنترنت قبل 10 سنوات تقريبا مررت بعدة تجارب من خلاله، تجارب أكسبتني خبرات في من الناحية العلمية والتقنية وحتى في الأمور الشخصية، هذه التجارب إما تكون سلبية أو إيجابية، ولكن المهم أني استفدت منها، فإن كانت سلبية تعلمت منها أن أصحح أخطائي، وإن كانت إيجابية حمدت الله عليها وأقدمها كقصه نجاح للآخرين. ولعل أطول تجربة عشتها وحتى الآن لم تنتهي، هي تجربة إقناع والدي بمفهوم الإنترنت واستخدام الحاسب الآلي، فوالدي الفاضل أطال الله بعمره رغم التطور الهائل في الإنترنت من ناحية المحتوى والخدمات والمعلومات لا يؤمن بالإنترنت ولا يريد أن يعتمد عليه في قضاء بعض الأشياء التي سوف تسهل عليه لو استخدم الإنترنت.

فوالدي يبني رفضه للإنترنت على مبدأ أن الإنترنت سوف يفقده لذة القراءة والكتابة، فأهم سبب يذكره عند نقاشي معه أنه عندما يقرأ الكتاب من خلال النسخة المطبوعة أو الصحيفة يكون هناك علاقة قوية بين القارئ والكتاب،  فالإحساس بجمال القراءة وتقليب الصفحات وحتى كتابة الملاحظات ووضع الخطوط تحت الجمل التي تفضلها من الكتاب يجعل الأمر أكثر متعة وفائدة، قد يقول القارئ أن الإنترنت سهل علينا القيام بهذه العادات التي يستمتع بها والدي، لكن هل هي فعلا تؤدي نفس الغرض وتجعلنا نتخلى عن الطريقة الاعتيادية في القراءة؟

أذكر من القصص التي تثبت وجهة نظر والدي، أنه خلال قيامي بإصدار جوازات سفر لبناتي طُلب مني أن أكتب نموذج الطلب بخط اليد دون استخدام الحاسب الآلي، وهذه الخطوة كانت بالنسبة لي مفاجئة بحكم أن الطلبات الأخرى مثل إصدار تأشيرة الدخول والخروج أو تجديد الإقامة يجب كتابتها بواسطة الحاسب لتقبل من إدارة الجوازات، ولكن هذا الآمر اختلف مع جواز السفر، فخلال كتابتي لطلب إصدار الجواز أحسست أنني غريب على القلم، كأني طالب صغير يحاول أن يتعلم كيف يخط الحروف وكيف يكتب الجمل، فكانت لحظه غريبة بالنسبة لي، عندها تذكرت كلام والدي ونقاشي معه بخصوص العلاقة بيننا وبين الكتاب أو القلم، وكيف أن الإنترنت سيفقدنا الإحساس بما نكتب ونقرأ، وهذا ما حصل لي عند الكتابة في نموذج إصدار الجواز، فلقد جعل الإنترنت العلاقة بيني وبين القلم تختفي ولم أعد أحس بلذة الكتابة.

وأيضا أذكر لكم عادة وجدتها عند الكثير من المبرمجين لها علاقة في موضوعنا، فكثير منا معشر المطورين والمبرمجين عندما يكون هناك خطأ برمجي أو خطأ في هيكل النظام أو التطبيق يسارع بأخذ قلم وورقة ومن ثم يبدأ “بالشخبطة” على الورق، لدرجة أن أحد الزملاء وجدت في مكتبه أوراق تحوي رسومات غريبة وأشياء لا معنى لها، وسألته لماذا تكتب بهذه الطريقة،  قال لأن الكتابة تساعدني على التفكير والأهم حل المشكلة التي أمامي.

أما في مجال استخدام الحاسب الآلي فوالدي يرفض استخدامه بحكم أننا نكون عبيدا للآلة، وهذه الآلة تجعلنا لا نستخدم عقولنا ولا نفكر، وذكر لي قصة عندما كان على رأس العمل وطلب من السكرتير كتابة خطاب وطباعته على الكمبيوتر، وفي كل مرة يقوم بها السكرتير في طباعة الورقة يكون فيها خطأ ويقوم والدي بتنبيه، المضحك والشاهد في القصة أن والدي يقول أنه في كل مرة يقوم بتعديل الطباعة يخطئ السكرتير نفس الخطأ، والسبب أنه يعتمد على الآلة بالتصحيح ولا يعتمد على عقله، ولعلي أشارك بهذه القصة أنها تحدث لي بعض الأحيان، فعندما أكون مستعجلا أريد أن أكتب تدوينة أقوم بتعديل الأخطاء باستخدام المدقق اللغوي في برنامج ويندوز لايف رايتر، فإن لم يظهر لي خطأ أقوم بنشر التدوينة، ثم أكتشف بعد ذلك أن هناك أخطاء وأخطاء محرجة في بعض الأحيان، واللوم ليس على برنامج ويندوز لايف رايتر لأنه لا يملك عقل مثل عقول البشر، ولكن اللوم يقع علي عند اعتمادي على البرنامج ولم أعتمد على قراءتي للتدوينة والتدقيق فيها.

في الختام قد يختلف الكثير منكم مع والدي أو يتفق، لكن الأسباب التي ذكرها نعشيها خصوصا في مجتمعنا الجديد الذي أصبح اعتماده على الإنترنت والحاسب الآلي أمرا أساسيا، قد يساعدنا التطور التقني على تسهيل أمور حياتنا وتسهيلها ولكن في بعض الأمور سوف يفقدنا هذا التطور أشياء مهمة وأشياء لا يمكن أن نستغني عنها مثل قراءة الكتب بالطريقة التقليدية والكتابة بالقلم، قد يقول قائل منكم أن الإنترنت يسهل أمور أخرى غير الكتابة والقراءة وأنا هنا اتفق معكم وحتى والدي، لكن والدي يقضي يومه في القراءة والكتابة لذلك تٌعد هذه الهوايات أمور مهمة له لم يجعله الإنترنت واستخدام الحاسب الآلي أن يتخلى عن الطريقة التقليدية التي نعرفها.

مصدر الصورة